السبت، 25 يونيو، 2011

الترمواي .. عفريت يجوب شوارع المحروسة


الأزقة.. والدروب.. والحواري.. هي أهم ما يميز تخطيط مدينة القاهرة منذ سنوات عديدة، حتى أصبحت الحارة هي الرابط الأساسي بين سكان المنطقة الواحدة. فاصحت الحارة بمثابة مدينة داخل المدينة، وهو الأمر الذي عكسه كثير من الأدباء والمفكرين في أعمالهم وكتاباتهم فنجد أولاد حارتنا وزقاق المدق وبين القصرين وحكايات حارتنا للأديب العالمي نجيب محفوظ، وحارة الزعفراني لجمال الغيطاني ..... وغيرها كثير من الأعمال التي جسدت ذلك الواقع الذي عاشه سكان مصر لفترة طويلة. فالشوارع ما هي إلا جزء من الماضي فبين الطرقات والأزقة الضيقة الملتوية يمكنك السير على الأقدام مستنشقًا الهواء المفعم بعبق التاريخ تتخلله نسمات عطرة لذكريات من الماضي الجميل.. فاحتفاظ شوراع كثيرة بتخطيطها القديم يساعدك على الابحار في ذلك الماضي متخذًا من الخلفيات المعمارية والأشخاص والأماكن مسرحًا مناسبًا يدعم خيالك السائح في جولة بين طرقات مصر المحروسة.
فالقاهرة مدينة ذات طابع خاص، بناها الفاطميون كمدينة ملكية للخليفة -بصفته حاكم البلاد- وقواد وأفراد جيشه فقط، أما أهل البلاد فكانوا يسكنون الفسطاط والقطائع وهو ما كان يعرف باسم "مصر القديمة" آنذاك.
وبعد زوال دولة الفاطمين ومجيء الناصر صلاح الدين الأيوبي أصبحت القاهرة مدينة يسكنها العامة أيضًا، فقد اتخذ صلاح الدين من قصورها وبيوتها مساكن له ولأفراد جيشه حتى أتم بناء قلعة الجبل فانتقلت إليها الفئة الحاكمة والجيش مرة أخرى لتصبح القاهرة مدينة للعامة من علية القوم والميسورين ماديًا. وعندما أتم صلاح الدين بناء السور الدائر حول عواصم مصر الثلاثة        –الفسطاط والقطائع والقاهرة- أصبحت مدينة القاهرة وحدة واحدة يحيط بها سور حصين، واستمر الأمر هكذا في عهد المماليك والعثمانين وحتى مجيء الحملة الفرنسية عام 1798. فقد وجد الفرنسيون أمامهم مدينة تختلف كثيرًا عما أعتادوا عليه في بلادهم؛ فشوارع القاهرة ضيقة ملتوية قليل منها فقط مهمد ومعبد للسير، أما السواد الأعظم فيتميز بأرضيته الترابية والتوائته الشديدة وتعرجاته التي تنهتي غالبًا بحوائط مسدودة.  فعمل الفرنسيون على تنظيم الشوراع وتوسعتها إلا أن تلك المحاولة لم يكتب لها الاستمرار لجلاء الحملة عن مصر في عام 1801.
عندما تقلد محمد علي باشا حكم مصر (1805- 1848) كانت الظروف مهيئة له لنمو بالمدينة وتوسعتها وإعادة تنظيمها، فسكان القاهرة أنفسهم احتكوا بالحضارة الغربية لاسيما الفرنسية من خلال سنوات إقامتهم في مصر (1798-1801)، ومن خلال رجال البعثات ألتي أرسلها محمد علي إلى أوروبا للتعليم فانبهر المبعثون بالمدن التي رأوها وبذلك كانوا أداة غير مباشرة للربط بين قاهرة العصور الوسطى بتخطيطها المميز وبين القاهرة الحديثة التي يسعى محمد علي إليها.
بالفعل بدأ محمد علي مشواره نحو تنظيم شوراع القاهرة القديمة وأصدر الفرمانات الخاصة بتنظيف وتجميل المدينة وترقيم الشوارع وغزالة المبانى المتهدمة وبناء وتعمير المناطق الخالية. وهو نفس النهج الذي انتهجه أبناءه وأحفاده من بعده فظهرت لنا أحياء جديدة لم تكن موجودة من قبل وعمرت أحياء لم تكن مأهولة بالسكان لبعد المسافة بينها وبين مركز المدينة. فامتدت القاهرة وزادت رقعتها وخرجت من طور العصور الوسطى لتضم إليها المدينة الحديثة التي اهتم بها أبناء أسرة محمد علي فظهرت لنا مناطق سكنية جديدة. فقد سكن الناس بشبرا بعد أن بنى محمد علي قصرًا له هناك وشق طريق غرست به الأشجار على الجانبين فاتخذ الناس من شبرا منطقة للسكن. وزحف العمران إلى العباسية والحلمية والأزبكية والإسماعيلية ومصر الجديدة –هليوبوليس- وشقت الشوارع الواسعة لتناسب الزيادة السكانية وتلائم شكل المدينة الجديدة فمنها شارع الموسكي وشارع محمد علي وشارع بيت القاضي وشارع السكة الجديدة وشارع العباسية .. فتمتعت مصر بشبكة من الطرق المبلطة؛ لها أماكن ارتكاز عديدة ممثلة في الميادين الواسعة كميدان العتبة والأوبرا وعابدين وباب الحديد ومحمد علي..
كانت النتيجة الطبيعية المترتبة على حركة العمران التي شهدتها القاهرة هو تطور وسائل النقل الداخلي للمدينة. فقديمًا كانت الخيول والحمير والبغال هي الوسيلية الأساسية للتنقل داخل القاهرة وكانت العربة الحنطور هي وسيلة المواصلات المتوفرة آنذاك لنقل الركاب الموسرين من مكان لآخر، وكانت هناك مواقف انتظار مخصصة للحمير والحمالين أشهرها كان الموقف القابع عند فندق شبرد لنقل النزلاء والتجول بهم داخل شوراع المحروسة. كما أن مساحة المدينة واحتياجات الفرد لم تكن تستدعي ما هو أكثر من ذلك، فالحي الواحد –سواء حارة أو درب- كان يضم بداخلة الأسواق والكتاتيب والحمامات والمساجد وكل ما يحتاجه الساكن آنذاك، كما أن أصحاب الحرفة الواحدة كانوا متجاورين في السكن لنجد أن غالبية الشوراع والحارات تتميز أسمائها بحرفة أهلها كشارع سوق السلاح وشارع الصاغة والخيامية والمغربلين والسروجية والجمالية.. إذًا لم تظهر مشكلة ملحة في النقل الداخلي داخل العاصمة إلا مع التوسع العمراني، فجاءت وسائل النقل المتطورة لتلائم ذلك.
 أما النقل السريع والخاص بالسفر والتنقل من محافظة للأخرى فقد كانت مصر أولى دول القارة الإفريقية التي عرفت السكك الحديدية وكان القطار وسيلة للنقل تتميز بها مصر منذ عهد محمد سعيد باشا، كما تمتعت مصر بنوع آخر من النقل هو النقل النهري من خلال نهر النيل الشريان النابض الرابط بين شمال مصر وجنوبها.
عربات الأمنيبوس والسيارات العامة
عرفت مصر عربات الأمنيبوس وهي عربات عامة تجرها البغال والخيول، تسير ببطء شديد ولمسافات قصيرة، تستخدم للنقل الجماعي ولها أيضًا مواقف انتظار محددة. كانت هناك شركتان تديران هذه العربات هما شركتي سوارس والصبان، وقد بدأ عملهما عام 1899 واستمرتا عرباتهما في العمل بالرغم من ظهور الترام في القاهرة والإسكندرية. واختفى هذا النوع من العربات عام 1927 فيما عد خط واحد كان يسير بين حي الحسين والشرابية ظل يعمل حتى عام 1940.
كما عرفت مصر السيارات العامة كوسيلة للنقل منذ عام 1908 ولكن مع اندلاع الحرب العالمية الأولى في عام 1914 ونتيجة لارتفاع سعر الوقود وقلة قطع الغيار اختفت تلك السيارات كما اختفت عربات الأمنيبوس نتيجة لاستلاء الإنجليز على الدواب والعلف وبالتالي حرمت القاهرة من وسيلة نقل حية ساهمت بدور وإن كان بسيط في نقل سكانها لتبقى الترمواي هي الوسيلة الأول التي تجوب شوراع القاهرة طولاً وعرضًا.
ترمواي تجرها الخيول
في عام 1807 شهد العالم ظهور أولى عربات الترامواي لنقل الركاب، فمن بريطانيا وبالتحديد من داخل مدينةWales  سارت أول عربة ترامواي من Oystermouth - Mumbles        وSwansea Docks  . لتصبح شركة The Welsh Oystermouth Railway هي أول شركة تقدم هذه الوسيلة للنقل. وكانت فكرتها عبارة عن عربات مركبة على قضبان حديدية تسير داخل شوارع المدن وتجرها الخيول، وقليلاً ما كان يتم الاعتماد على القوة البشرية لجر تلك العربات. فالخيل هو المحرك الأساسي لجر العربات ووفقًا لسرعة الخيول –عادة زوجين من ذكر الخيل- تكون سرعة عربات الترمواي. وانتقلت تلك الوسيلة الحديثة التي وفرت سعة في النقل نظرًا لإمكانية نقل عدد كبير من الركاب دفعة واحدة على عكس عربات الكارو التي لا تسع أكثر من أربع أو خمس أفراد؛ إلى بلاد كثيرة فعرفتها الولايات المتحدة الأمريكية والنمسا في عام 1828 وغيرها من الدول الأوروبية. ثم تطورالمحرك الأساسي لعربات الترامواي ليحل البخار محل الخيول ثم لتحل الكهرباء محله فيما بعد.


الترمواي يصل مصر
عرفت مصر الترامواي التي تجرها الخيول في عام 1860 ولكن هذه المرة لم تتمتع القاهرة عاصمة البلاد بسبق استخدام هذه الوسيلة الحديثة المتطورة، فكانت الإسكندرية صاحبه هذا السبق لتكون بذلك أول مدينة في القارة الإفريقية وأول مدينة في مصر تشهد شوارعها تسير خطوط الترامواي. ولما لا ومدينة الإسكندرية لها طابعها الخاص وشخصيتها المميزة بين مدن مصر جميعًا. فهي مركز للتجارة ونقل البضائع وبها آلاف الأجانب والقنصليات والجاليات حتى شوارعها تتميز بالطابع الأوربي وأغلب مناطقها السكنية تحمل أسماء الأوروبيين الذين عاشوا بها حتى الآن. فمنهم نجد منطقة بولكي وزيزينيا وشدتس وفلمنج وجليم وستانللي.. فكان من الطبيعي عندما يفكر بعض الأجانب المقيمين بها أن يسير عربات الترمواي أن تكون الإسكندرية هي موضع اختياره لتسهيل حركة النقل من الميناء إلى وسط المدينة حيث ميدان القناصل –ميدان المنشية الآن وكان يعرف بميدان القناصل لتمركز القنصليات المختلفة به- ولربط المدينة بصحراء الرمل تلك المنطقة التي بدأ العمران يدب إليها منذ عهد محمد سعيد باشا، فسكنها البعض بعيدًا عن ضوضاء المدينة.
في 16 أغسطس 1860 استطاع التاجر الإنجليزي السير إدوارد سان جون فيرمان أن يستصدر من الحكومة المصرية امتياز لإنشاء خط سكك حديدية يصل ما بين الإسكندرية والرمل مع الاحتفاظ بحق سحب الامتياز منه في أي وقت، وذلك وفقًا لما نصت عليه بنود الاتفاق. وبعد مرور عامين تأسست شركة Strada Ferrata Tra Allessandria Ramlea  وهي شركة مساهمة برأس مال قدره 12 ألف جنيه مقسمة على 1200 سهم، وتنازل السير إدوارد فيرمان للشركة الجديدة عن حق الامتياز الذي منحته الحكومة المصرية إياه عام 1860 وذلك مقابل الحصول على 30% من أرباح الشركة خلال السنوات الثلاث الأولى.
في سبتمبر 1862 وضعت أول قضبان حديدية بجهة مسلة كليوباترا –ميدان محطة الرمل الآن- وفي 8 يناير 1863 افتتح الخط لنقل الجماهير بأربع عربات يجرها أربعة خيول (عربة واحدة درجة أولى وعربتان درجة ثانية ووادة درجة ثالثة) من الإسكندرية –مسلة كليوباترا- إلى موضع محطة بولكي الآن. وفي 22 أغسطس 1863 استخدمت القوة البخارية لجر عربات الترمواي بدلاً من الخيول.
في 28 يونية 1882 تأسست شركة جديدة هي شركة سكك حديد الإسكندرية والرمل مسجلة في لندن باسم The Alexandria & Ramleh Railway Co. Ltd برأس مال 110 ألف جنيه إنجليزي، وعملت على ازدواج الخط بين الإسكندرية وبولكلى.
في عام 1897 تأسست شركة بلجيكية جديدة لتشغيل الترمواي عرفت باسم شركة ترمواي الإسكندرية قامت بشراء العدد الأكبر من أسهم شركة حديد الإسكندرية والرمل السابقة والتي حصلت مقابل ذلك على 65% من جملة الإيرادات التي تحصلها الشركة البلجيكية الجديدة. وذلك لتسير خطوط جديدة من عربات الترمواي لربط المدينة القديمة بضاحية الرمل. لا سيما وأن شركة سكك حديد الإسكندرية والرمل استطاعت أن تحصل على امتياز استخدام الكهرباء لجر عربات الترمواي بدلا من البخار، لذا تسابقت الشركة البلجيكية مع منافستها في مد خطوط الترمواي داخل الإسكندرية فعملت الشركة البلجيكية برئاسة المسيو دوجاه على مد الأسلاك الكهربائية في الفترة من سبتمبر 1896 حتى أغسطس 1897 لتسير عربات الترمواي الكهربائية الجديدة. وبالفعل نجحت في ذلك فقد اقامت حفل كبير للاحتفال بتسيير العربات الأولى الكهربائية في 11 سبتمبر 1897 بحضور الخديوي عباس حلمي الثاني. وكانت المحطة الرئيسية في ميناء البصل أمام مبنى بورصة القطن حيث تجمع المساهمين والمضاربين والتجار، ويتفرع منه ثلاثة خطوط الأول يصل إلى ميدان المنشية والثاني إلى منطقة المكس والثالث يبدأ من ميدان المنشية ليصل إلى الجمرك عند راس التين. وكانت مراسم الاحتفال تتمثل في تسير خمس عربات كهربائية لحمل المدعوين وأعدت عربة خاصة مزينة بالزهور لركوب الخديوي انتقلت بين أحياء مدينة الإسكندرية إلى أن وصلت إلى مكان المأدبة الفخمة التي افتتحها الخديوي ثم عاد إلى المنتزة.
أما خط الترمواي القديم الواصل بين مسلة كليوباترا –محطة الرمل- وبين بولكلى فقد استخدمت العربات الكهربائية فيه لأول مرة في 25 يناير 1904. لتصبح جميع العربات في الإسكندرية تعمل بالكهرباء. وفي 11 يونية 1912 تنازلت شركة ترمواي الإسكندرية البلجيكية عن إدارة خطوطها (الخطوط الخاصة بالمدينة القديمة) لشركة سكك حديد الإسكندرية والرمل لتصبح هي الشركة الوحيدة المسؤلة عن النقل بالترمواي داخل الإسكندرية واستمرت هكذا حتى أممت الشركة عقب قبام ثورة 23 يوليو 1952م.
إذًا شهدت الإسكندرية ميلاد عربات الترمواي في مصر قبل عاصمتها –القاهرة- كما أنها تمتعت بمراحل التطور الثلاث التي شهدتها عربات الترمواي في العالم (الخيول- البخار- الكهرباء). لتصبح ترمواي الإسكندرية مثال حي يسير بشوارعها يحمل بين طياته ذكريات الماضي الأثير.
أما عاصمة البلاد فقد عرفت المرحلة الأخيرة من عربات الترمواي وهي الترمواي الكهربائية، ففي 5 إبريل 1893 تسلم مجلس النظار مذكرة من نظارة الأشغال العمومية بشأن مد خطوط ترمواي متعددة في مدينة القاهرة لدراسة الأمر، وفي أغسطس 1893 أعلنت الحكومة المصرية عن رغبتها بمد خطوط للترمواي في العاصمة. وبالفعل حصلت شركة بلجيكية في نوفمبر 1894 على هذا الامتياز بتسير ثمانية خطوط كهربائية تبدأ غالبيتها من ميدان العتبة الخضراء على النحو التالي:
·       الخط الأول من العتبة الخضراء إلى القلعة.
·       الخط الثاني من العتبة الخضراء غلى بولاق.
·       الخط الثالث من العتبة الخضراء إلى باب اللوق فالناصرية.
·       الخط الرابع من العتبة الخضراء إلى العباسية عن طريق الفجالة.
·       الخط الخامس من العتبة الخضراء إلى مصر القديمة.
·       الخط السادس من فم الخليج إلى الروضة.
·       الخط السابع من الروضة إلى الجزيرة.
·       الخط الثامن من ميدان قصر النيل إلى قنطرة الليمون.
في أول اغسطس 1896 تم الاحتفال بتدشين الخط الأول لسير عربات الترمواي داخل شوارع المحروسة وأجرت الشركة حفلة تجريبية لتسيير أول ترمواي كهربائي وبدأ الاحتفال في الساعة العاشرة صباح ذلك اليوم بركوب ناظر الأشغال حسين فخري باشا وبرفقته كبار موظفي الدولة وكبار الأعيان داخل إحدى العربات وبدأت الترمواي رحلتها الأولى من بولاق مارة بميدان العتبة حتى وصلت إلى القلعة. واصطف اهالي القاهرة على الجانبين ليشاهدوا ذلك الاختراع الجديد الذي يسير بقوة الكهرباء، فأخذ الأولاد يركضون وراءها وهم يصرخون "العفريت .. العفريت". وصباح ذلك اليوم صدرت الصحف المصرية تتصدر عناوينها "العفريت يصل المحروسة"، و"العفريت يسابق الريح"، وغيرها من العناوين التي تبين مدى انبهار المصريين بذلك الوافد الجديد.
وفي 12 أغسطس من1896 أقيم الاحتفال الرسمي لتسير الترمواي فزين ميدان العتبة بالزهور وأمه الألوف لمشاهدة العفريت يسابق الريح للمرة الثانية. ويمكننا أن نستعرض ما ذكرته صحيفة المقطم الصادرة في 13 أغسطس 1896 واصفة الحدث قائلة: " شهد أهل العاصمة أمس مشهدًا قلما شهد مثله أهالي الشرق، ولم يخطر على قلب بشر منذ مائة عام، وهو أن تجري مركبات كبيرة تقل المئات من الناس، لا بقوة الخيل، ولا بقوة البخار، بل بالقوة الطبيعية التي تسبق البرق والرعد، بقوة تتولد على شواكئ النيل من احتراق الفحم وإدارة الحديد أمام المغناطيس، ثم تجري على أسلاك منصوبة في الهواء، والقضبان ممدودة في الأرض، فتدير عجلات المركبات، وتجري على ما يراد من السرعة.. هذا هو الترمواي الكهربائي الذي احتفل أمس بتسييره في العاصمة من بولاق إلى القلعة، احتفالاً باهرًا. فما أزفت الساعة الرابعة من بعد الظهر حتى غصت ساحة العتبة الخضراء بالمدعوين من الأمراء والعظماء، وكبار الموظفين والأعيان وفي مقدمتهم النظار ومحافظ العاصمة وقناصل الدول ورجال القضاء.. وكانت عربات الترمواي واقفة صفوفًا في تلك الساعة ثم سارت تباعًا إلى القلعة بين الجماهير المتفرجين الذين انتشروا على جانبي الطريق مسرورين".
في إبريل 1900 أصدرت الشركة لائحة بنظام عملها وافقت عليه الحكومة المصرية ونشر بالصحيفة الرسمية "الوقائع المصرية" كان أهم بنود تلك اللائحة يتعلق بقوانين وقواعد الركوب : "أن كل محدث غوغاء أو سكران أو مصاب بعاهة تشمئز منها النفس يمنع من ركوب الترمواي، كما لا يجوز وضع أي شيء على الخطوط أو تسلق العواميد المعدة للحركة الكهربائية، أو تعليق شيء عليها، أو السير أمام العربات السائرة أو مرافقتها أو السير خلفها أو التعلق بها".
ولعل هذا اللائحة صادرة من قبل الشركة نتيجة للانتقادات الشديدة التي وجهت لعملها وللحوادث الجسيمة التي سببتها الترمواي من قتل للأبرياء وإصابات بالغة نتيجة اصطدامها بهم. ويمكننا أن نستخلص ذلك من خلال المكاتبة الصادرة من مجلس شورى القوانين إلى مجلس النظار بتاريخ 7 فبراير 1898 بشأن طلب تفادي الأضرار اللاحقة من الحوادث الأليمة التي وقعت من شركة الترمواي في العاصمة. ومكاتبة أخرى بتاريخ 23 إبريل 1898 صادرة عن مجلس شورى القوانين إلى مجلس النظار بشأن تكليف شركة الترمواي باتخاذ الأسباب الموجبة لتلاشي الحوادث التي تلحق بالأهالي.
واستمرت الشركة في عملها واستطاعت الحصول على تصاريح مختلفة بمد خطوط جديدة للترمواي لتغطي أكبر مساحة من المدينة ففي 1902 حصلت الشركة على امتياز مد خط من باب الحديد مارًا على كوبري شبرا فشارع شبرا ويتفرع منه خط إلى ساحل روض الفرج وتم هذا الخط في 19 مايو 1903. وعندما تقرر إنشاء كوبري عباس في عام 1903 تولت شركة ترمواي القاهرة عمل خطين لعرباتها. وتكرر نفس الأمر مع كوبري الملك الصالح وكوبري الزمال وكوبري أبو العلاء 1908.
ومنذ لك التاريخ وعربات الترمواي تجوب شوارع ومدن مصر من شمالها لجنوبها ومن شرقها لغربها، فكما شهدت الإسكندرية ميلاد الترمواي وعرفت القاهرة أول ترمواي كهربائي شهدت مدن القناة أيضًا ذلك الاختراع الجديد.
لم يقف دور الترمواي عند نقل الركاب من منطقة لأخرى فقط، بل أحدثت ثورة اجتماعية بحق. فقد قطعت المسافات الطويلة في دقائق معدودة مما سهل حركة الانتقال وأصبح بإمكان الراكب أن يطوف بالقاهرة من بدايته لنهايتها دون أن يشعر بالتعب أو الملل، وهو أمر كان من الصعب تحقيقه مع وسائل النقل القديمة –الخيول والحمير وعربات الكارو- لذا وجهت العديد من الانتقادات اللاذعة لعربات الترمواي أهما أنها أفسدت أخلاق كثير من الشباب وساعدتهم على ضياع الوقت في السهر خارج البيوت لساعات متأخرة من الليل معتمدين على سرعة الترمواي وعملها حتى منتصف الليل في العودة إلى بيوتهم. حتى عرف شباب هذه الفترة بـ "شباب العصر الترامي"، ومن بين الانتقادات التي وجهت لهذه الوسيلة أيضًا أنها اصبحت ملتقى للعشاق لتبادل الرسائل الغرامية لاسيما بين الطلبة الجامعيين، وغير ذلك من الانتقادات كثير.
إلا أننا لابد وأن نشير إلى الوجه الآخر من العملة وهو الجانب الإيجابي لظهور الترام والذي تجلى في امتداد العمران وزيادة الرقعة المسكونة في الضواحي الجديدة لاسيما في الضاحية الوليدة "هليوبوليس" –مصر الجديدة- التي أدرك مؤسسها البارون إمبان انه لا مجال لتعمير تلك الضاحية إلا من خلال تسير خطوط الترمواي بها لتربطها بالقاهرة لتشجيع الناس على السكن بها. وبالفعل كان لتسير عربات الترمواي بها مفعول السحر في تعميرها. كما يمكننا أن نشير إلى دور الترمواي في خلق أسواق تجارية جديدة يأمها الناس معتمدين عليها كوسيلة لنقلهم من وإلى تلك الأسواق. وهو الأمر الذي ركز عليه كثير من التجار في الإعلان عن بضائعهم ومتاجرهم بإنها بالقرب من محطة الترمواي كوسيلة للدعاية والجذب. كما انها ساهمت بدور فعال في العملية التعليمية فأصبح بإمكان الفتيات أن يستقلن الترمواي في الذهاب والعودة من مدارسهن.
إذًا لم تكن عربات الترمواي في مصر مجرد وسيلة لنقل الركاب فقط بل كانت محور هام في تكوين فكر وثقافة المجتمع، لذا هاجمخا البعض باعتبارها محرضة على الفساد والفجور وهم يمثلون التيار المعادٍ لكل ما هو حديث وجديد. والبعض الآخر أخذ عنها كل ما هو جيد من سرعة ونظافة وراحة كوسيلة تقله من منزله إلى عمله أو إلى مدرسته. ولم تختف عربات الأمنيبوس بظهور الترمواي كما أشرنا ولكن يمكننا أن نقول أنه بظهور الترمواي أفل نجم كثير من وسائل النقل الأخرى. وإن كانت عربات الحنطور استمرت في العمل جنبًا إلى جنب مع الترمواي. إلى أن ظهرت السيارات وانتشرت كوسيلة عامة تبعها الأتوبيسات العامة. إلا أن الترمواي لازالت تجذب محبيها.

ونختتم حديثنا عن الترمواي بأبيات من الشعر العامي نظمه أحد الركاب:
يا ترمواي البعاسية        وديني على قصر النيل
خليني أشوف حبيبي         الحلو أبو خد جميل
يا ترمواي البعاسية          أجري كمان شوية


           أفديك يا ترمواي بعينيه           وصلني للحبايب

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق