السبت، 25 يونيو، 2011

"بولاق" .. منتجع الأمراء وترسانة الباشا




بولاق.. ضاحية تتمتع بطبيعة خاصة وتاريخ طويل؛ كجعبة ساحر لا تخلو من المفاجآت. فلفظة بولاق يترجمها الذهن إلى لقطات لكوبري أبو العلاء، وسوق العصر، والمطبعة الأميرية، وجامع سنان باشا، وغيرها من الأماكن والأحداث التي ارتبطت بتاريخ الضاحية، لعل أشهرها موقف بولاق من الفرنسين عام 1800 عندما قام أهاليها بإشعال نيران الثورة -ثورة القاهرة الثانية- وتحصنوا بالمخازن والوكالات المطلة على النيل ودخلوا في مناوشات وقتال عنيف مع الفرنسين رافضين التسليم والخضوع مطالبين بالجلاء. الأمر الذي كلفهم كثير من القتلى وغرامة كبيرة تجبي من أهالي بولاق-200 ألف ريال- بالإضافة إلى ما هو أبشع من ذلك حين أشعل كليبر النيران في بولاق فتحولت من ضاحية عامرة إلى أطلال خربة!
تاريخ بولاق ملئ بالأسرار والحكايات؛ يكتنفه الغموض بدءًا من الاسم الذي اختلف المؤرخون في تفسيره، فظن البعض أنه فرنسي الأصل من "بو" أي الجميلة، و"لاك" أي البحيرة فتحرف الاسم إلى بولاق. ولكن تاريخ بولاق يرجع إلى ما قبل الحملة الفرنسية بمئات السنين ووردت هذه الضاحية في السير والحوليات والكتابات باسم بولاق، إذًا لا مجال للفرنسية هنا. فبولاق كلمة مصرية قديمة بكسر الباء "بلاق" تعني المرساة أو الموردة لأنها ترد إليها السفن وترسوا فيها. أي ارتبطت تسميتها بوظيفتها كميناء.
لنبحر في شوارع بولاق وحدائقها ونطل على مرساها ونحتفل مع ملوكها في حكاية ربما سمع بها البعض وأغلب الظن أنه سمع القليل. فاليوم نروي المزيد عن بولاق؛ المنتجع الذي اتخذه الصفوة والأمراء للنزهه والتريض والاستجمام، واتخذ منها السلطان مخازن للغلال ومرفًأ للسفن ودارًا لصناعتها.

بولاق.. منتجع الأمراء والعامة
تكونت بولاق نتيجة لانحسار شاطئ النيل الشرقي. أي لم يكن لبولاق وجود حتى القرن  الثالث عشر الميلادي. عندما أخذ النهر ينحسر شيئًا بشيء مخلفًا أراضي طينية تعرف باسم طرح النهر. ويرجع المؤرخون تكوَّن جزيرة بولاق إلى الطرح الذي ظهر عام 1281م فكَّون جزء من بولاق، وطرح عام 1403م الذي اتخذت معه جزيرة بولاق شكلها المميز كمثلث قاعدته مستديرة ترتكز على شاطي النيل.
وهنا تدين بولاق بالفضل إلى الناصر محمد بن قلاون الذي شجع على عمران تلك المنطقة الوليدة وحث أمرائه على البناء فيها وأنفق الكثير في سبيل تعميرها فقد أمد أمرائه بالأموال والعدد والمواد اللازمة تشجيعًا لهم على البناء فيها حتى انتشرت بها الدور والأسواق والمساجد والبساتين. فأصبحت منتجع يتميز بالهدوء والراحة بعيدًا عن ضجيج القاهرة. يمارس فيها الأمراء الرمايا والتحطيب، مستمتعين بلحظات الغروب على ضفاف النيل في خصوصية بعيدًا عن أعين المتطفلين.
تمتعت بولاق بعناية خاصة من قبل الحكام فكما كان للناصر محمد اليد البيضاء في بداية ظهورها وتعميرها؛ كان لكثير من السلاطين والأمراء نفس الأياد. فقد بدأ الحكام والأمراء زياراتهم المنتظمة لبولاق حتى أن المؤيد شيخ كان يقيم بها أكثر من إقامته بالقلعة المقر الرئيسي لحكام مصر. وتسابق الأمراء في البناء والزراعة حتى أصبحت بولاق من أجمل متنزهات مصر لكثرة جناينها وهو ما ذكره كثير من المؤرخين والرحالة واصفين بولاق بأنها أجمل محاسن مصر.
وارتبطت بولاق باحتفالات كثيرة كانت تقام من قبل الحكام فيخرج الناس لمشاهدتها والترويح عن أنفسهم بعيدًا عن أعباء الحياة. فقد لعبت بولاق دورًا هامًا كمنتجع اكتظ بالسكان لتهافت الجميع على السكنى فيه -خاصة بعد أن أصبحت الميناء الرئيسي لمصر على نهر النيل- في الاحتفالات العامة لاسيما الاحتفال بوفاء النيل أو بتدشين سفينة جديدة أو خروج حملة للقتال واستقبال الملوك والمبعوثين الوافدين على مصر. واستعراض الأسطول وخروج السلطان وكبار الأمراء حيث تقام المهرجانات ويتجمع الناس عند ساحل بولاق مثلما حدث عند استقبال الأمير شيخو بعد عودته من سجنه في الإسكندرية، فقد خرج الناس في مراكب كثيرة وأحاطوا مركبه بنحو ألف مركب فسار شيخو في موكب عظيم حتى وصل القلعة. كما اعتاد السلطان المؤيد شيخ أن ينزل نهر النيل للسباحة عند بولاق فيتجمع حوله الألوف. ولأنه محبًا للابتهاج والترويح أمر أمرائه أن يكون من مراسم الاحتفال بموكب المحمل أن يمر ببولاق ليتجمع الناس هناك ويحتفلوا بخروج المحمل للأراضي الحجازية.
كما كانت أيام خروج الأسطول المصري في حملات بحرية من أبهج الأيام بمصر فكانت تحتشد الناس على شاطئ النيل وتدق الطبول والزمور وتطلق الصواريخ والألعاب النارية وترتفع الأصوات بالدعاء والتهليل مثل ما حدث أيام الظاهر برسباي عندما احتفل بخروج حملات بحرية ضد جزيرة رودس فتجمع الناس عند بولاق قبل الموعد بأيام ونصبوا الخيام وامتلأت صفحة النيل بمراكب المتفرجين. واستمر هذا التقليد متبع في العصر العثماني. فضلاً عن الاحتفالات والتنزهات الخاصة التي يقوم بها الأمراء والسباقات التي تقام على أرض بولاق فيتجمع الناس للتمتع بها.
لم يكن سُكنى بولاق أمرًا مقصورًا على الأمراء وصفوة المجتمع فقط، فقد شاركهم العامة أيضًا في بولاق وإن لم تكن بيوتهم بنفس الفخامة والمناظر الرائعة حيث اختص الأمراء بمناظرهم المطلة على النيل والساحل أما العامة فشغلوا المناطق الداخلية من بولاق ولعبوا دورًا بارزًا في النشاط التجاري فيها، فتجمعوا في فئات عديدة فكان صفوة التجار والأثرياء وصغار التجار والحمالين والمكاريين وباعة الأسواق والعاملين بدار الصناعة من نجارين وحدادين يشكلون فئة عريضة من أهالي بولاق. عاش الجميع في تناغم تام في ضاحية أصبحت منتجع متكامل الخدمات. تمتعوا برفاهية الأمراء وحياة البسطاء.
بولاق.. الميناء
نهر النيل هو شريان الحياة في مصر من صعيدها لدلتاها، يربط الصعيد في أقصى الجنوب بالوسط والدلتا في الشمال، وقد أحسن المصريين استغلاله في نقل الغلال والبضائع والركاب منذ القدم حتى اليوم. لذا نجد المصريين القدماء يقدسونه لأنه مصدر البقاء. وعلى مر العصور ظل نهر النيل شريان مصر النابض؛ أينما وجد تجد الخير على ضفتيه فلولاه لكانت مصر جزء من الصحراء.
وقد حرص المصريين على تشيد المرافئ على شواطئه لترسو السفن المحلمة بالمحاصيل والأخشاب والمؤن، لذا يزخر تاريخه بأكثر من ميناء على ضفافه بعضها لازال يحمل إلى الآن ملامح وذكريات الماضي، والبعض الآخر لم يتبق منه سوى الاسم أو سطور مقتضبة في كتب التاريخ.
ومن أشهر هذه الموانئ ميناء الفسطاط التي لحقت بها دارًا لصناعة السفن -ترسخانة- أسسها محمد بن طغج الأخشيدي سنة 936م، واستمرت في العمل أيام الفاطميين والأيوبيين والمماليك وفيها كانت تصنع سفن الأسطول. وأيضًا هناك ترسخانة الروضة وهي أول دار صناعة انشئت في النيل بعد الفتح الإسلامي لمصر وعرفت في أول الأمر بدار صناعة الجزيرة ثم دار صناعة الروضة في العصر الفاطمي نسبة إلى البستان الذي أنشأه في شمال الجزيرة الوزير الأفضل شاهنشاه بن بدر الجمالي سنة 1096م وسماه بالروضة. وهناك أيضًا ميناء وترسخانة المقس -مكانها اليوم باب الحديد وشارع كلوت بك إلى حديقة الأزبكية- وقد أنشأها الخليفة الفاطمي المعز لدين الله. واستمر ميناء المقس في العمل حتي نهاية العصر الأيوبي وبداية المملوكي ثم أخذ الماء ينحسر عنه شيئًا بشيء وذلك عندما كانت بولاق في مرحلة التكوين والتشكيل لتحمل بولاق على عاتقها لسنوات طويلة كونها الميناء الرئيسي والترسخانة الأولى لمصر على نهر النيل، بدءًا من القرن الرابع عشر وحتى القرن التاسع عشر.
مئات من السنين ظلت صفحات مطوية من تاريخ بولاق كميناء هام وترسخانة ضخمة كانت عماد البحرية المصرية طوال العصر المملوكي والعثماني، وشكلَّت اللبنة الأولى لأسطول محمد علي باشا في حروبه ضد الوهابيين قبل أن يشرع في بناء ترسخانة الإسكندرية.
الترسخانة السلطانية
          يرجع تاريخ بولاق كميناء وترسخانة عندما أنشأ المماليك فيها ترسخانة لصناعة السفن والمراكب الحربية والشواني، ليكتمل الدور الوظيفي لبولاق كميناء رئيسي يتعين على السفن القادمة من الإسكندرية والدلتا والصعيد المرور به والوقوف لدفع الضرائب عند ديوان الجمرك في بولاق. وتزخر كتب التاريخ بإشارات هامة عن ازدهارها كميناء رئيسي لمصر؛ فقد أشار القلقشندي إلى أن المراكب المحملة بالثلج القادمة من الشام تصل إلى دمياط ومنها إلى بولاق ثم إلى المطابخ السلطانية بالقلعة. كما أشار السيوطي في حوادث عام 1356م إلى غرق أكثر من ثلاثمائة مركب عند ساحل بولاق بسبب هبوب عاصفة شديدة ونستدل من العدد على ازدهار الميناء وتحولها إلى مركز للتجارة الدولية ترد إليها بضائع الشام والهند والصين، وبضائع الإسكندرية الملجوبة من أوروبا لتصبح ملتقى تجاري هام تتم فيه عمليات البيع والشراء والترانزيت فتحمل البضائع الأوروبية لبلدان الشرق والبن والعطور والبخور والبضائع الشرقية للبلدان الأوروبية. الأمر الذي جعل السلاطين يتوسعوا في الميناء وبناء الأرصفة وتطويرها لتلائم حجم البضائع الواردة إليها.
          ومع دخول مصر في حوزة العثمانين لم تفقد بولاق أهميتها بل استمرت تلعب نفس الدور المنوط بها وأصبح ساحل بولاق نقطة وصول واستقبال رسل الدولة العثمانية والممالك الأوروبية. ولعل دخول مصر في نطاق الدولة العثمانية أكسبها حرية التبادل التجاري وازدهار النقل النهري وبالتالي زيادة العمل في الترسخانة لإنتاج سفن تلبي الحاجة. فقد أصبحت مصر جزء من منظومة دولة مترامية الأطراف. وقد استثمر الولاة العثمانين أموالهم في بولاق فشرعوا في تشيد عدد كبير من الوكالات والمخازن منها وكالات الكتان ومعاصر السكر لسليمان باشا، ولا نجد دليل على أهمية بولاق أكثر من أن يختارها سنان باشا والي مصر موضعًا لبناء مسجده الشهير.
          وعندما دخل الفرنسيون مصر عام 1798 اهتموا ببولاق وأولوها عناية خاصة لاسيما بعد الخراب الذي طالها على يد كليبر عام 1800 فشرعوا في إعادة تعميرها من جديد وتجديد ما تلف من مبانيها، ومهدوا الطريق الواصل بينها وبين القاهرة وجددوا القناطر القائمة على النيل إدراكًا منهم لأهميتها. إذًا يمتد تاريخ بولاق إلى ما أبعد من الفرنسين بمئات السنين ولم تظهر فجأة في تاريخ مصر مع دخول الفرنسين كما يذكر البعض وينسب تسميتها إلى الفرنسية.
محمد علي وترسانة بولاق
          اهتم محمد علي باشا اهتمامًا بالغًا بالملاحة النيلية كأحد أهم طرق المواصلات بين ربوع مصر فعمد إلى تطهير الترع والمصارف وأعاد حفر ترعة المحمودية بالإسكندرية وتعميقها الأمر الذي انعكس بشكل إيجابي على التجارة المصرية. وتمتعت مصر في عهده بأسطول تجاري ضخم ضم أنواع عديدة من السفن منها مراكب المعاش والأشاكيف والذهبيات والقنجات والقياسات والقياق وغيرها من السفن والزوارق.
          تاريخ ترسانة بولاق في عهد محمد علي يكتنفه الغموض، فأغلب ما تذكره المصادر والمراجع عنها لا يتعدى سطر أو سطرين على استحياء كإشارة إلى أن الأسطول الأول لمحمد علي كانت صناعته في بولاق وتركيبه وتدشينه في السويس. وذلك عندما شرع في عام 1810 في تجهيز أسطول ضخم فجلب الأخشاب اللازمة لذلك من ثغور الأناضول واحتكر الأخشاب الموجودة بمصر لبناء الأسطول. فكان يتم نقل الخشاب إلى بولاق لتجهيزها وتقطيعها ثم تنقل على الجمال إلى السويس لتركب هناك وتدشن في مياه البحر. ونستدل من الروايات التي ذكرها الجبرتي عن العمل في ترسانة بولاق أنه كان على قدم وساق وتحت إشراف الباشا.  استعدادًا للحملة التي شارك بها للقضاء على الوهابيين في الجزيرة العربية عام 1811. وفجأة تختفي ترسانة بولاق من تاريخ مصر لاسيما بعد تأسيس ترسانة الإسكندرية وانخراطها في بناء السفن منذ عام 1831.
          ولكن ماذا عن ترسانة بولاق؟ هل توقف العمل بها وفقدت وظيفتها كترسانة مصر الأولى لمئات السنين؟ وإن حدث هذا هل انعكس ذلك على الميناء؟
علامات استفهام لم أجد لها إجابة في المراجع المتاحة وهو أمر منطقي جدًا فإذا كانت ترسانة بولاق كدار صناعة لأسطول محمد علي لم تأخذ نصيبها من الشرح والتحليل فلما نتوقع أن تذكرها المراجع فيما بعد لاسيما بعد أن ظهرت ترسانة الإسكندرية كمنافس جديد وقوي؟!
ولكن هناك طرق أخرى على الباحثين المضي فيها للوقوف على حقائق الأمور؛ أهمها مسرح الأحداث، والآثار المتبقية وغيرها من الشواهد الماية التي من خلالها نعيد قراءة التاريخ مرة أخرى. وهو أمر ليس متاح دائمًا إلا إذا توافرت الوثائق التي تعيد اكتشاف التاريخ من جديد وإجلاء الغموض عن كثير من الحقائق. وللوقوف على تاريخ ترسانة بولاق في عهد محمد علي والمصير الذي آلت إليه لابد وأن نرسم صورة كاملة عن بولاق في عهده.
بالرجوع إلى الوثائق المحفوظة بدار الوثائق القومية نجد فرمان  صادر بالتركية (من السلطان سليم باشا بشأن تعيين مرتب يومي قدره 10 بارات من مال جمرك بولاق إلى السيد خليل في 27 أغسطس 1801)، وفرمان آخر بالتركية صادر (من السلطان محمود خان إلى محمد علي باشا والي مصر بشأن تعيين يومية مالية من جمرك بولاق للشيخ رجب النجاري في 29 أكتوبر 1809). إذًا استمر دور بولاق كميناء لمصر في عهد الحملة الفرنسية وبداية حكم محمد علي لمصر فوجود الجمرك هو نتيجة لوجود ميناء ترسو به السفن لشحن وتفريغ حمولاتها فيتم تحصيل الجمارك وروسوم العبور وما إلى ذلك من الأمور الجمركية.
وقد تولى محمد علي ولاية مصر في يوليو 1805 فبدأ في تثبيت دعائم حكمه لاسيما وأن الأمر في البداية لم يكن بالسهولة والاستقرار الذي يدعم تحديث وبناء دولة. فقد دبر للتخلص من الزعامة الشعبية وحاول جاهدًا تدعيم وجوده بقوات وجيش قوي حتى يتفرغ للقضاء المماليك وتم له ذلك في مذبحة القلعة الشهيرة في أول مارس 1811. ونتيجة للضغط الشديد من قبل الباب العالي في الآستانة على محمد علي للقضاء على الوهابين شرع الباشا في تأسيس الأسطول الأول لمصر فلم يجد أمامه سوى إعادة بناء ترسانة بولاق من جديد وتحديث ما بقي منها وكان قد عفى عليه الزمن. وهو الأمر الذي يؤكده الجبرتي في روايته وتدعمه المصادر الأخرى. وبالفعل جلب الباشا الأخشاب من ثغور الأناضول وبدأ العمال في ترسانة بولاق في العمل على قدم وساق ولأن الحملة المراد تسييرها إلى الحجاز لابد وأن تبحر من السويس وعبور البحر الأحمر فكان من الصعب بناء السفن بشكل نهائي وحملها إلى السويس لذا انقسم العمل إلى مرحلتين الأولى في بولاق وهي الأساس والثانية في السويس وهي تجميع وتركيب الأخشاب التي وصلت من بولاق على ظهور الجمال ومن ثم إنزالها إلى البحر في عام 1810. وقد وصل عدد هذه السفن إلى 18 سفينة كانت حجر الأساس في الأسطول المصري الحديث.
بدأ محمد علي بعد ذلك في تنفيذ مشروعاته المتنوعة من بناء مصانع ومدارس ومستشفيات وإرسال بعثات للخارج للنهوض بمصر. وبالتركيز على بولاق نجده يختارها لبناء مصنع لسبك الحديد وآخر للجوخ ومصنع للحبال وقلاع المراكب كما أنشأ ببولاق مدرسة المهندسخانة ومدرسة العمليات –يتلقى فيه الطلبة فنون الخراطة والنجارة والبرادة والحدادة- كما كانت بولاق موضع بناء أول مطبعة في مصر هي مطبعة بولاق التي اقترن اسمها بالمكان. إذًا نجد أن محمد علي أراد أن يجعل من بولاق منطقة صناعية متكاملة من حيث الورش والمصانع والمدارس المرتبطة بوظيفة بولاق كميناء وترسانة.
هذا هو مسرح الأحداث التي تؤكد استمرارية دور بولاق كميناء، ويدعم هذا أيضًا القرارات التي اتخذها محمد علي فيما يخص الأسطول المصري فقد أدرك محمد علي بعد اشتراكه في الحروب الوهابية أن القوة البحرية لابد وأن تتناسب مع تكنولوجيا العصر لاسيما بعد استخدام السفن البخارية وظهور السفن الحربية العملاقة وهو أمر شاق على ترسانة بولاق التي ركزت صناعتها في إنتاج السفن والمراكب النيلية فلم يجد الباشا مفر من أن يتجه إلى أوروبا لشراء السفن الحديثة وفي الوقت نفسه شرع في إعادة بناء ترسانة الإسكندرية وتحديثها فقد وجدها متهالكة لا تصلح لشيء فشرع في بنائها من جديد واستقدم لها كبار المهندسين والفنيين حتى أصبحت في غضون سنوات تنافس كبرى الترسانات الأوروبية وهو الأمر الذي ذكره أكثر من مهندس أوروبي في زيارتهم لها في ذلك الوقت. فكان من الطبيعي أن يقفل دور ترسانة بولاق بعد أن بدأت منافستها في الإسكندرية في إنتاج السفن الحديثة بدءًا من عام 1831. ولكن بالإطلاع على الوثائق الخاصة بترسانة بولاق نجد أن الباشا لم يهمل العمل في الترسانة بل بالعكس ازدهرت ترسانة بولاق في عهد محمد علي وتوسعت في إنتاج السفن النيلية وبلغة العصر تخصصت بولاق في إنتاج السفن النيلية في الوقت الذي أنتجت فيه ترسانة الإسكندرية السفن البحرية والحربية. ويمكننا أن نستعرض نماذج من تلك الوثائق لندرك ذلك:
·       إعلان من الجناب العالي إلى ناظر ترسانة بولاق بشأن إصدار أمر لمأمور أقاليم الوجه البحري بشحن الحنطة والفول إلى رشيد في 14 نوفمبر 1827.
·       مكاتبة من الجناب العالي إلى مفتش ترسانة بولاق بإعطاء قارب الجناب العالي إلى مختار بك بكامل أنفاره ومفروشاته في 26 يونية 1837.
·       مكاتبة من الجناب العالي إلى وكيل مفتش ترسانة بولاق بانه يعلم من الكشف عدد الأيام التي ينشا فيها القوارب الخاصة بالقطن في 9 يوليو 1837.
·       مكاتبة من الجناب العالي إلى مفتش ترسانة بولاق بخصوص إعطاء الجنرال البروسي ذهبية ليسبح فيها بجهة الصعيد في 8 نوفمبر 1837.
·       مكاتبة من الجناب العالي إلى مفتش الترسانة بشأن تخصيص جميع المراكب لنقل الأحجار في البحر لتحويل المياه وتعيين مهندس لهذا الغرض في 14 يناير 1839.
·       مكاتبة من الجناب العالي إلى مفتش ترسانة بولاق بخصوص الاهتمام في نقل الغلال المخصصة لليمن والحجاز في 5 إبريل 1838.
·       مكاتبة من الجناب العالي إلى مفتش ترسانة بولاق بخصوص الموافقة على تعيين رؤساء للمراكب المصنوعة في الإسكندرية من القيمونات المتقاعدين في 14 إبريل 1838.
·       مكاتبة من الجناب العالي إلى مفتش ترسانة بولاق بخصوص الموافقة على ترميم المراكب المصنوعة في ترسانة الإسكندرية حسب المعدل في 18 مايو 1838.
·       مكاتبة من الجناب العالي إلى مفتش ترسانة بولاق بخصوص اهتمام تدبير المراكب اللازمة لنقل الزخائر للحجاز وكذلك لشحن الغلال إلى هناك في 12 فبراير 1840.
·       مكاتبة من الجناب العالي إلى مفتش الترسانة بشأن السؤال عما تم في تجربة القوارب المسطح قعره الذي أنشئ بالإسكندرية جديدًا في 25 فبراير 1845.
·       مكاتبة من عباس حلمي إلى وكيل ترسانة بولاق بشأن تجهيز باخرة للعضو الموفد للمديريات مرة كل شهرين ذهابًا وأيابًا.
·       مكاتبة من محمد سعيد إلى مفتش ترسانة بولاق بشأن الإشراف على أمور الحكومة المصرية.
·       خطاب صادر من ديوان الجهادية إلى ترسانة بولاق بشأن نزول 2 من الأغاوات و3 أنفار لأحد المراكب المتوجهة إلى الإسكندرية والأجرة تأخذ من الجهادية.
          وبالرجوع إلى الوثائق نجد أن ترسانة بولاق وجمركها ومينائها استمرو في العمل في عهد عباس حلمي الأول ومحمد سعيد باشا وذلك وفقًا للمكاتبات والأوامر الصادرة لنظار وعمال الترسانة سواء لنقل البضائع والركاب أو لتوريد الموظفين والعمال والمهمات لمواقع البناء والتعمير المنتشرة في القطر المصري آنذاك من شق الترع والخلجان والقناطر وغيرها -هناك وثيقة عبارة عن خطاب باللغة العربية صادر عن ديوان الجهادية إلى الترسانة ببولاق بشأن تخصيص مركب لنقل المهمات اللازمة إلى أشغال القناطر الخيرية في 27 مايو 1846- وخطاب آخر صادر أيضًا عن ديوان الجهادية لترسانة بولاق بخصوص صرف وشحن مهمات من مخازن المهمات ببولاق لازمة لأشغال القناطر الخيرية. وخطاب آخر خاص بتوجيه 6 أنفار إلى بر الشام عن طريق دمياط وذلك بأحد المراكب المتوجهة إلى دمياط وأخذ الأجرة من الجهادية وغيرها من المكاتبات الخاصة بأعمال الترسانة وتنظيم العمل فيها.
          إذًا لم يقفل نجم ترسانة بولاق بظهور ترسانة الإسكندرية بل استمر العمل في تنسيق رائع وهو الأمر الذي نستدل عليه من مكاتبات وأوامر خاص بتجديد وترميم السفن المصنوعة في الإسكندرية داخل ترسانة بولاق. فقد كانت بولاق جزء من منظومة متكاملة ورؤية واضحة خطط لها الباشا وهي تطوير النقل التجاري في مصر واتخذ كافة الأساليب اللازمة لذلك أهمها إعادة حفر ترعة المحمودية بالإسكندرية وتعميقها لتناسب حجم السفن الحديثة، وشق الترع وبناء الجسور، والاهتمام بميناء الإسكندرية الشرقي فأصلح الأرصفة وزاد من عمقها لتناسب السفن الكبيرة فانعكس ذلك على التجارة المصرية. واستمر الأمر على هذا النسق في عهد عباس حلمي الأول ومحمد سعيد في ازدهار تارة وفتور تارة وفقًا لمتطلبات العصر والظروف الاقتصادية. ولاشك أن بدخول السكك الحديدية إلى مصر وشق قناة السويس تغير مسار النقل البحري والنهري فتأثرت حركة التبادل التجاري في ميناء بولاق فيما يخص البضائع الصادرة والواردة من البحر المتوسط نتيجة لوجود قناة السويس، واقتصر دورها لعى النقل الداخلي للركاب والبضائع الخاصة بالسوق المحلي والمعدات والأدوات المنقولة بين المحافظات. ولكن لم يؤثر هذا على أهمية بولاق كضاحية لها طابع خاص فيكفي أن نشير إلى أن على أرضها أسس أول متحف للآثار –متحف بولاق- فقد كانت من أجمل الأماكن المصرية ومحور اهتمام الحكام. ونتيجة لحدوث أكثر من فيضان تعرضت أجزاء كثيرة من أراض بولاق للغرق منها متحف بولاق مما اضطر لنقله للجيزة ومنها إلى موقعه الحالي -المتحف المصري بميدان التحرير- لتبقى بولاق شاهد حي على صفحات مشرقة من تاريخ مصر.
 سوزان عابد

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق