السبت، 25 يونيو، 2011

مصر بريشة عاشقيها



وأنت تستعد للقيام برحلة طويلة أو قصيرة لبلد كبير وهام؛ لا تستطيع وأنت تعد حقائبك لبدء الرحلة أن تستغني عن آلة التصوير الخاصة بك، وإذا كنت متجهًا في رحلتك إلى مصر فلابد وأنك ستزور مدينة القاهرة أو الإسكندرية أو الأقصر أو الواحات؛ إذًا فسوف تقف كثيرًا أثناء رحلتك لتسجل لحظة تذكارية لك أمام مشهد النيل وقت الغروب، أو لأبي الهول ومن خلفه الأهرامات الثلاث واقفة في شموخ، أو أن تقف أمام مسجد شاهق كمسجد السلطان حسن درة العمارة الإسلامية في مصر والعالم أجمع.
ولكن.. ماذا لو كنت تستعد لهذه الرحلة المميزة منذ أكثر من مائتي عام مضت، أي في زمن لن تستطيع فيه أن تصطحب معك كاميراتك الرقمية ولا هاتفك المحمول المزود بكاميرا عالية التقنية، أو حتى ما هو أبسط من ذلك فأنت حتى لن تجد أبسط أنواع آلات التصوير التي لا تراها الآن إلا في المتاحف، ليس هذا فقط فأنت عدت لزمن لا توجد فيه المكاتب السياحية التي تنظم لك برنامج الزيارة لتستمتع بكل دقيقة فيه ولا حتى أن توفر لك وسيلة النقل المكيفة حتى لا تشعر بوطأة الحرارة فوق رأسك وقت الظهيرة... إذًا كيف كنت ستستعد لهذه الرحلة؟
أشياء كثيرة من الممكن أن تفكر فيها لتنظم هذه الرحلة التي ستقضيها في مصر، إلا أنه هناك أشياء أكثر كانت ستغير شكل هذه الرحلة أهما أنك لن تكون مجرد سائح جاء لمشاهدة معالم الحضارة المصرية والتنزه في أحياءها وضواحيها بل كنت ستكون واحد من الرحالة الذين يذكرهم التاريخ الآن، فأعداد السائحين في مصر في ذلك الوقت لا تتعدى الأفراد الثلاثة أو الأربعة.
دعنا نبحر في تفاصيل من سبقوك في هذه الزيارة منذ مائتي عام من فرنسيين وإنجليز وإيطاليين.. أمثال سافاري، وفولني، وشارل إدمون، وباسكال كوست، وبريس دافن، وديفيد روبرتس، ولويجي مايير وغيرهم ممن زاروا مصر واختلفوا في تفاصيل رحلتهم واتفقوا في عشقهم وولعهم بمصر وفي تسجيلهم لأروع ما شاهدوه فيها بريشاتهم الخاصة؛ تاركين لنا كنزًا زاخرًا ينقل لنا بصورة تنبض بالحياة لما كانت عليه مصر منذ 200 سنة مضت.
فبتوصية خاصة من المسيو جومار المشرف على البعثات العلمية التي أوفدها محمد علي باشا إلى باريس؛ بدا باسكال كوست Pascal Coste رحلته إلى مصر للعمل بخدمة الباشا. ولم يكن يتخيل هذا الفنان الشاب أنها نقطة تحول في حياته جعلته أسير لكل ما هو مصري، عاشق لكل تفاصيل عمائرها ومدنها وقراها. فقد جاء إلى مصر عام 1817 ليشرف على تأسيس مصنعًا للبارود، وعمل دراسات لازمة لبعض الترع المصرية المراد شقها آنذاك. فإذا به يقع في هوى العمائر الإسلامية والمعابد الفرعونية فأخذ يسجلها بريشته المتميزة التي ساهمت دراسته الأكاديمية في ثقل الموهبة الخاصة التي يتمتع بها في فن الرسم، فهو دارس لفنون الرسم والتصوير في بداية حياته بمدرسة الرسم في مرسيليا ثم سافر إلى باريس بتوجيه من أستاذه المسيو M.pemmchoud  المهندس المعماري، والتحق بمدرسة الفنون الجميلة بباريس ودرس بها العمارة، حيث التقي بالمسيو جومار وجاء بعدها إلى مصر.
مكث باسكال كوست في مصر عشر سنوات، عاد بعدها إلى مرسيليا في عام 1827 حيث عمل أستاذًا للعمارة هناك، واستطاع باسكال أن ينشر عمله الضخم عن مصر الذي ضمنه أروع اللوحات والرسوم الملونة. وقد تم طباعة الكتاب في الفترة من 1837-1839 تحت عنوان "العمارة العربية وآثار القاهرة Architecture Arabe au Monuments du Caire".
وباسكال كوست ما هو إلا أحد العاشقين لشوارع ودروب وأزقة القاهرة مثله مثل كثير من الفنانين والرحالة الذين زاروا مصر وبهرتهم بعمائرها، وجذبهم مجتمعها المتماسك وطبقات شعبها المتنوعة بداية من الرجل البسيط إلى الوالي الذي يحكم البلاد. وقد استطاع باسكال كوست في لوحاته أن ينقل برسوم واقعية تمتلئ بالرومانسية الحالمة صورة حية من مصر آنذاك -أي في ما بين عامي 1817-1827- لنذوب في تفاصيل كل كبيرة وصغيرة من خلال ما تركه لنا باسكال في فترة لم تكن قد ظهرت فيها آلات التصوير الفوتوغرافية بعد. وقد بلغ من دقة باسكال كوست في نقل أدق التفاصيل لاسيما في اللوحات التي تضم مناظر العمائر والأبنية أن يستعين به كلوت بك ناظر مدرسة طب قصر العيني في كتابه الذي كان يعده عن مصر "لمحة عامة عن مصر" الذي ظهر عام 1840 في وضع فصل عن الفن الإسلامي، استطاع فيه أن يقدم تسجيلاً دقيقًا عن العمارة الإسلامية في مصر.
ولم تخلو مصر من عاشقيها فترة طويلة فعقب رحيل باسكال كوست جاءها فنان من أشد المولعين بها المغرمين بفنونها. هو بريس دافن أو كما يعرفه البعض بـ إدريس أفندي، وينتمي بريس دافن إلى أسرة إنجليزية الأصل هاجرت إلى فرنسا فرارًا من جور الملك شارل الثاني، حيث ولد دافن في إقليم الفلاندر في فرنسا، وتعلم في مدرسة الفنون بشالون، وحصل على إجادة الهندسة المعمارية عام 1825 وهو دون العشرين من عمره.
بدأ دافن ترحاله بسفره إلى الهند حيث عمل سكرتيرًا لحاكمها ثم إلى فلسطين، وعندما أحس بتشجيع محمد علي باشا للأوروبيين وتمتعهم بمزايا خاصة نظير خدمته، شد رحاله إلى مصر فجاءها في عام 1829 والتحق بخدمة الباشا حيث عينه بالفعل مهندسًا للري وأستاذًا للطبوغرافيا بمدرسة أركان الحرب بالخانكة، ومربيًا لأبناء إبراهيم باشا. إلا أنه سرعان ما ضج من العمل وقرر التفرغ لفنه وهنا يقال أنه اعتنق الإسلام وعرف باسم إدريس أفندي وأخذ يتنقل بين فلاحين مصر من القاهرة إلى الدلتا إلى الإسكندرية إلى صعيد مصر والنوبة مسجلاً في كل رحلة مشاهداته عن معالم المدن من عمائر ومناظر طبيعية ساحرة، حتى استقر به الترحال إلى مدينة الأقصر عام 1838 حيث يذكر له موقف مشرف وهو منع إقامة معمل للبارود بالقرب من معبد الكرنك، كما منع العمال من اقتطاع أعمدة حورس لإقامة هذا العمل، وشدد على المسئولين بضرورة الحفاظ على كنوز مصر وآثارها. ولم تنحصر أعمال دافن في مجرد الرسم والتصوير الخارجي للأبنية بل شارك في كثير من أعمال التنقيب الهامة واستطاع أن يتوصل إلى اكتشافات لا بأس بها منها اكتشافه لاثنتي عشرة غرفة في معبد خوفو، بالإضافة إلى الكشف عن بردية كتبت بالهيراطيقية ونسبت إليه. وقد غادر دافن مصر في عام 1844 وعاد إليها مرة أخرى عام 1858 أي في عهد الوالي محمد سعيد باشا مستكملاً رحلته في مدن مصر.
مكث دافن في مصر فترة طويلة بلغت سبعة عشر عامًا قدم خلالها أربعة عشر كتابًا بالإضافة إلى العديد من المقالات والأبحاث الهامة، ولعل أهم ما تركه لنا دافن هو لوحاته المتميزة عن آثار مصر لاسيما الإسلامية منها والتي تفنن في أن ينقل أبرز تفاصيلها وأكثرها تعقيدًا مما جعل رسومه مرجعًا هامًا لكل باحث في هذا المجال. ومن مؤلفاته عن مصر
o   "الآثار المصرية وتاريخ الفن المصري وفقًا لآثارها منذ أقدم العصور حتى السيادة الرومانية" وهو أطلس رائع يضم في مجلدين مائة وستين لوحة.
o   أطلس كبير عن الفن العربي بعنوان L'art Arabe d'apres Les Momuments du caire depuis VII Siecle Jusque a la fin du XVII Sie cle" وهو مجلد يتصل بدراسة مصر من جميع النواحي.

أما أشهر اللوحات التي رسمت عن مصر فكانت بريشة الفنان الإنجليزي ديفيد روبرتس الذي لمع اسمه في فن الرسم مقترنًا في أول الأمر باسم المصور جون فردريك لويس وذلك بفضل تصويرهما لإسبانيا التي زاراها عام 1830 بعد طوافهما بأنحاء القارة الأوروبية، ثم امتدت رحلات روبرتس بعد ذلك إلى طنجة في أول زيارة له للمدن العربية ثم إلى مصر. وقد وضع كتابه الضخم "الأراضي المقدسة ومصر والنوبة" في ثلاثة مجلدات فضلاً عن مجلد عن مدينة القاهرة، وقد أهدى روبرتس كتابه إلى ملك فرنسا لوي فيليب، وساهم هذا الكتاب في زيادة شهرة مؤلفه كما كان له تأثير هام على كثير من الأوروبيين الذين شغفوا بزيارة مصر لرؤية آثارها التي نقلتها لهم لوحات روبرتس.

رحالة كثيرون زاروا مصر وتمتعوا بطيب هوائها واعتدال مناخها، تنوعت جنسياتهم ووظائفهم، بعضهم جاء للعمل بخدمة حكام مصر وبعضهم جاء للدراسة والتمتع بآثارها النادرة، ساعدهم على هذا تشجيع الحكام لهم وتوفير سبل الراحة والأمان، فيذكر أن والي مصر محمد سعيد باشا أصدر لائحة تعرف باسم لائحة مارس 1857 نظم فيها شئون الوافدين على مصر بغرض السياحة بداية من وصولهم إلى أرض الوطن حتى مغادرتهم للبلاد، فقد نصت على أن يتوجه شخص مسئول هو معاون قلم الجوازات إلى الميناء ليطلع على قائمة السائحين بهدف منحهم تأشيرات من الداخلية تكفل لهم حرية الإقامة والتحرك داخل مصر، ولم يكن منح الجوازات الداخلية مقتصرًا فقط على السائحين الذين سوف يقيمون في مصر، بل امتد كذلك إلى الذين يتوجهون إلى بلاد الشام عن طريق العريش أو الذين يتوجهون إلى جهات أخرى عن طريق رشيد أو دمياط أو السويس أو القصير. كما أمر سعيد باشا بدفع نفقات علاج البعض من السائحين الذين تعذر عليهم تسديد ما تطالبهم به المستشفيات التي يعالجون فيها. أما عصر الخديوي إسماعيل فقد شهد تدفق كثير من الأجانب على مصر سواء للعمل في مشروعات الخديوي المتنوعة من حفر لقناة السويس والعديد من الترع ومشروع تحويل القاهرة إلى باريس الشرق وغيرها من الأعمال العمرانية المتنوعة، بالإضافة إلى حدث هام هو اشتراك مصر في معرض باريس عام 1867 الذي خصص فيه جناح خاص لعرض بعض الآثار المصرية المتميزة، وبالفعل أرسلت مجموعة من الآثار برفقة ماريت باشا المسئول عن الآثار المصرية آنذاك وهو فرنسي الجنسية وأعجبت بها الإمبراطورة أوجيني مما جعلها سببًا قويًا شجعها على زيارة مصر أثناء احتفالات افتتاح قناة السويس .. علاقات كثيرة واهتمامات أكبر من قبل حكام مصر لتشجيع الأوروبيين على زيارتها والعمل بها، أرسى دعائم هذه السياسة مؤسس الأسرة العلوية محمد علي باشا بعلاقاته الطيبة مع الأجانب لاسيما الفرنسيين ممن عملوا معه من قناصل ومهندسين وإداريين واستشاريين.. إلخ.
سوزان عابد

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق