الاثنين، 27 يونيو، 2011

تمثال إبراهيم باشا.. التمثال الذي أثار أزمة بين مصر وتركيا

الميادين والتماثيل المصرية هي جزء لا يتجزأ من تاريخ مصر العمراني والمعماري وهو ما حرصت ذاكرة مصر على تقديمه وعرضه. ففكرة إقامة التماثيل للعظماء وتخليد ذكرهم في مصر ترجع إلى عهد الخديوي إسماعيل وبالتحديد إلى عام 1865، فقد أسند الخديوي إلى الفنان كوردييه مهمة نحت تمثال لأبيه إبراهيم وذلك في عام 1868، ثم كلف أيضًا لجنة فنية فرنسية للإشراف على عمل التمثال من الناحية الفنية برئاسة الكونت نيودركيك Cont Niewderkeke فرأت اللجنة إضافة فرنسي آخر هو جاكمار. وإذا كان التمثال قد صنع بالفعل في فرنسا إلا أن الوثائق تشير إلى أن القائمين على عمل التمثال قد أتوا بالفعل إلى مصر لمقابلة الخديوي ومعاينة الأماكن التي ستوضع بها التماثيل التي كلفوا بعملها ومنها هذا التمثال فقد جاء في وثيقة مؤرخة بـ 23 شعبان 1282هـ ذكر للأعمال المقترح إعمالها في مصر والإسكندرية والسويس مقدم من نوبار باشا وجاء فيها ذكر "تمثال والد الجناب العالي وجده المقترح إقامتهما في الإسماعيلية والأزبكية وكان رأي الجناب العالي في ذلك الانتظار حتى يحضر صاحب المصنع الذي أخذ على عاتقة عملها وعرض النماذج".
في 5 صفر 1286هـ صدر أمر من الخديوي إسماعيل بتحويل مبلغ ستة آلاف جنيه إلى أحد البيوت المالية في باريس باسم الكونت نيودركيك وحتى يتمكن من صرف المبلغ إلى الفنان الذي سيقوم بصنع التمثال وهو المسيو كوردييه.




ميدان الأوبرا عام 1911

تم الانتهاء من صنع التمثال في عام 1872 وقام المعماري الفرنسي بودري بوضع تصميم لقاعدة التمثال مستوحاة من العمارة الإسلامية تتألف جوانبها من دخلات ذات صدور مقرنصة في جوانبها أعمدة مدمجة وتضم في داخلها عقود منكسرة مشعة وتنتهي القاعدة بصف من المقرنصات ويعلوها مصطبة أخرى صغيرة يقف عليها التمثال ولكن هذا التصميم لم ينفذ لأنه لم يلق استحسان الخديوي إسماعيل. وقد نصب التمثال في عام 1872 بميدان العتبة الخضراء في أول الأمر، وفي عام 1882 قام الثوار العرابيون بإنزاله من فوق قاعدته باعتبار صاحبه أحد أفراد الأسرة الحاكمة، وبعد أن هدأت الأمور أعيد إقامة التمثال في ميدان الأوبرا في مكانه الحالي.
أما عن الأزمة التي أثارها التمثال فهي أزمة سياسية كبرى ومباحثات بين البلدين حدثت بسبب تمثال إبراهيم باشا الكائن بميدان الأوبرا حاليًا، فلا أحد يتوقع وهو يمر بجانب التمثال حاليًا ما أثاره من جدل ونقاش بين مصر وتركيا آنذاك، حيث تعود أحداث الواقعة إلى عام 1872 عندما تم الانتهاء من صنع التمثال واختير ميدان العتبة الخضراء موقعًا له. فقد حدث أن صنع كوردييه لوحتين لوضعها على قاعدة التمثال الرخامية، إحداهما تمثل انتصار الجيش المصري على الأتراك في معركة نزيب والثانية انتصاره على الأتراك في معركة قونية، وكانت اللوحتان على وشك أن توضعا على جانب قاعدة التمثال ولكن السلطات التركية تدخلت ورفضت اللوحتين لنهما تمثلان هزيمتها أمام جيوش مصر، وأخذ كوردييه اللوحتين وسافر إلى فرنسا وعرضها في معرض باريس عام 1900، وبعد انتهاء مدة العرض أخذهما إلى بيته وحفظهما في ستوديو صغير حيث لم يعلم مصيرهما بعد ذلك.
وحينما عزمت الحكومة المصرية على الاحتفال بمرور مائة عام على وفاة إبراهيم باشا عام 1948 أرادت أن تضع اللوحتان في مكانهما فاتصلت مصر بفرنسا وبحث عن اللوحتين عند حفيد كوردييه وفي متاحف باريس الكبرى فلم يعثر لهما على أثر ولكن وجد صورتان فوتوغرافيتان لهما أخذهما المثالان المصريان أحمد عثمان ومنصور فرج وصنعا لوحتان تشبهان لوحتي كوردييه وهما الموضوعتان اليوم على جانبي التمثال.
سوزان عابد


هناك تعليق واحد: