السبت، 25 يونيو، 2011

الطباعة تدخل مصر على طريقة "شيء لزوم الشيء"

 
على طريقة فنان الكوميديا نجيب الريحاني في رائعته "أبوحلموس" وهو يحلل ويجزئ المصروفات الخاصة بناظر أحد الأوقاف معبرًا بتلقائية وحس كوميدي "شيء لزوم الشيء"؛ ليبرر المبالغ المالية التي صرفها والمبالغ فيها من جانب ناظر الوقف؛ هي نفسها الجملة التي تعبر عن دخول الطباعة في مصر. فقد عرفت مصر الطباعة على يد نابليون بونابرت على طريقة شيء لزوم الشيء؛ أي مطبعة تطبع بالعربية لزوم توزيع البيانات والمنشورات على الشعب المصري.
أدرك بونابرت منذ اللحظة التي قرر فيها احتلال مصر أن الدعاية هي السلاح الفعال الذي قد يكسب به قلوب المصريين، فكان عليه إذن أن يعد العدة لحملة من الدعاية يوطد أركانها بمطبعة يحملها معه لتساعده فيما يرمي إليه. حرص بونابرت على تزويد المطبعة التي سيحملها معه إلى مصر بالحروف العربية واليونانية والفرنسية. وعني عناية خاصة برجال المطبعة الجديدة ومعداتها. ففي 6 مارس 1798 اتخذت الحكومة الفرنسية قرارًا بتعبئة كافة ما يحتاج إليه بونابرت، بما في ذلك الحروف العربية والفرنسية واليونانية الموجودة في مطبعة الجمهورية. وانقسمت المطابع الرسمية للحملة إلى شعبتين: شعبة شرقية يرأسها إيليا فتح الله من ديار بكر، والتي صدر قرار تأسيسها في الثامن والعشرين من شهر جرمينال، أما الشعبة الفرنسية فكان يرأسها يوحنا يوسف مارسيل. وقد أطلق على المطبعة الرسمية بشعبتيها ثلاثة أسماء رسمية واسمًا شعبيًا، فعُرفت أثناء اجتياز الحملة البحر المتوسط "بمطبعة الجيش البحرية"، فلما أنزلت في الإسكندرية سُميت "بالمطبعة الشرقية الفرنسية"، وحين استقر بها المقام في القاهرة اتخذت اسم "المطبعة الأهلية". أما من الناحية الشعبية فقد كان الفرنسيون يعرفونها باسم "المطبعة الجديدة"؛ لأنها وصلت القاهرة بعد مطبعة مارك أوريل بأشهر. وإلى جانب هذه المطبعة الرسمية أذن بونابرت لطابع فرنسي يدعى مارك أوريل بالحضور إلى مصر بصحبة الحملة ومعه مطبعته.
كانت المطبعة الرسمية على ظهر سفينة الأميرالية L’Orient التي كانت تقل بونابرت وأركان حربه. ولم يكن وجود المطبعة على نفس سفينة القائد العام وليد الصدفة، فبونابرت يريدها بالقرب منه ليستفيد منها في أية لحظة يشاء، فقد أمر بأن تعمل وهي في البحر لتطبع النداء الموجه لشعب مصر والأمر الموجه للجيش والمؤرخ في 22 يونية 1798. حملت تلك المطبوعات العبارة التالية: "طُبع على ظهر لوريان في مطبعة الجيش البحرية". ويقول فرانسوا شارل رو إن بونابرت أمر بطبع البيان العربي إلى الشعب المصري قبيل احتلال الإسكندرية أي يوم 2 يوليو، هكذا نرى أن عمل تلك المطبعة بدأ قبل نزول الحملة إلى البر، فلم يقتصر نشاطها على إخراج بعض النشرات الفرنسية، بل تجاوزها إلى طبع البيان العربي الذي أذاعه قائد الحملة على المصريين. أما مطبعة مارك أوريل فقد كانت على الفرقاطة "La Justice" إحدى سفن الحملة. وقامت بطبع البيان أول يوليو. وبعد أن تم لبونابرت احتلال الإسكندرية، وقبل أن يزحف منها على القاهرة، أصدر في 7 يوليو 1798 أمرًا بإنزال المطابع الفرنسية والعربية واليونانية إلى البر وبأن توضع في منزل وكيل قنصل البندقية؛ بحيث يمكن الطبع بها في ظرف ثمانٍ وأربعين ساعة، وخرج منها أول مطبوع في مصر وهو الطبعة الثانية لبيان 13 مسيدور المكتوب باللغة العربية والذي تحمل نسخة منه هذه العبارة "في إسكندرية من مطبعة الشرقية والفرنساوية"، ثم رحل نابليون إلى القاهرة تاركًا المطبعة العربية في الإسكندرية، حيث قام مارسيل بنشر أبجدية عربية وتركية وفارسية طبعها في المطبعة الشرقية الفرنسية وتمرينات بالعربية الفصحى للمبتدئين، ثم غادر الإسكندرية إلى القاهرة في أكتوبر 1798م.
ظل مقر المطبعة الشرقية بمدينة الإسكندرية إلى نهاية 1798م؛ حيث ظلت المطبعة الوحيدة في مصر التي تطبع بالعربية، إذ إن نابليون كان يستخدم مطبعة مارك أوريل في القاهرة للطباعة باللغة الفرنسية، ويرسل إلى المطبعة الشرقية بالإسكندرية للطباعة باللغة العربية. فلما استقر الفرنسيون في القاهرة بدأ مارك أوريل عمله بأن نشر أمرًا رسميًّا في 15 أغسطس سنة 1798 بينما بقيت المطبعة الرسمية في الإسكندرية، وأخذت مطبعة مارك تطبع أوامر بونابرت ومنشوراته باللغة الفرنسية، وكانت القيادة ترسل هذه الأوامر إلى الإسكندرية لتطبع باللغة العربية إذ إن مطبعة أوريل لم تكن بها حروف عربية على الإطلاق، وبجانب طبعه أوامر بونابرت ومنشوراته كان يقوم بنشر جريدتي لوكورييه دي ليجبت Le Courrier de l’Egypte ولاديكاد إجبسين La Décade Egyptienne، وتعتبر هذه المطبعة المستقلة عن الحملة أول مطبعة شهدتها مدينة القاهرة، إذ كان الأهالي يجهلون هذه الصناعة جهلاً تامًّا فعرفوها في أغسطس وسبقتهم الإسكندرية في هذه المعرفة بشهر وأيام. رأى نابليون بونابرت أن مجهود مارك أوريل قاصرٌ عن أن يحقق أغراضه في طبع الصحيفتين على نحو يرضيه ويرضي علماء الحملة الفرنسية؛ لذلك أرسل في طلب المطبعة التي يشرف عليها مارسيل في الإسكندرية وعندما استقرت المطبعة الأهلية في القاهرة رأى مارك أوريل أنه سيبقى معطلاً عن العمل فعرض على الحكومة أن يبيعها آلات مطبعتهن فوافق نابليون على ذلك.
وابتداء من 14 يناير سنة 1799م أصبحت المطبعة الأهلية في القاهرة المطبعة الوحيدة في خدمة الحملة الفرنسية، وقد أصدر بونابرت أمرًا بتنظيم وتعيين المسئولين عن سياسة المطبوعات فيها، وكان هذا الأمر في 14 يناير 1799؛ حيث يتضح لنا من خلال هذا الأمر مدى الرقابة الصارمة والشديدة التي فرضها نابليون على المطبعة في المادتين الخامسة والسادسة؛ حيث لا تصدر عنها مطبوعات بغير علم القيادة العامة أو تذيع ما من شأنه أن يمس النظام أو يسيء إلى الرأي العام الفرنسي أو المصري؛ لذلك كان هذا النظام الشديد أشبه ما يكون بما نعرفه اليوم "نظام الرقابة على المطبوعات" أو الرقيب. أما عن مكان المطبعة بالقاهرة فقد كانت دائمًا ملازمة لمعسكرات الجيش، وعندما ثارت القاهرة في أكتوبر 1798م نقلت المطبعة إلى الجيزة ولكنها عادت إلى القاهرة بعد أن أخمدت الثورة ونقلت إلى القلعة في النهاية لأنها كانت إحدى معسكرات الجيش الفرنسي.
سوزان عابد

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق