الخميس، 4 أغسطس، 2011

بالون .. في سماء القاهرة



استيقظ أهالي المحروسة في صباح أحد الأيام ليجدوا أوراقًا تطير في الجو وتتناثر في كل مكان وبعضها ملصق على أبواب البيوت والحارات. فبدأوا في جمع الأوراق لمعرفة هويتها؛ فإذا هي أوراق مطبوعة ودعاية لحشد الناس لمشاهدة حدث جليل ستشهده مصر لأول مرة هو تطيير مركبة في الهواء وفقًا لما جاء في مضمون تلك الأوراق: "إنه في يوم الجمعة الموافق عشرين من الشهر قصدنا أن نطير مركبًا ببركة الأزبكية في الهواء بحيلة فرنساوية".
ويصف لنا شاهد عيان تسنى له أن يحضر الاحتفال بتطيير مركبة في الهواء هو المؤرخ عبد الرحمن الجبرتي، إذ يصف لنا المشهد ورد فعل الناس تجاهه قائلاً:
"إنه في يوم الجمعة حادي عشرينه قصدنا أن نطير مركبًا ببركة الأزبكية في الهواء بحيلة فرنساوية، فكثر لغط الناس في هذا كعاداتهم، فلما كان ذلك اليوم قبل العصر تجمع الناس والكثير من الإفرنج ليروا تلك العجيبة، وكنت بجملتهم، فرأيت قماشًا على هيئة الأوية على عمود قايم، وهو ملون أحمر وأبيض وأزرق على مثل دائرة الغربال، وفي وسطه مسرجة بها فتيلة مغموسة ببعض الأدهان، وتلك المسرجة مصلوبة بسلوك من حديد منها إلى الدايرة، وهي مشدودة ببكر وأحبال وأطراف الأحبال بأيدي أناس قايمين بأسطحة البيوت القريبة منها، فلما كان بعد العصر بنحو ساعة أوقدوا تلك الفتيلة، فصعد دخانها إلى ذلك القماش وملأه، فانتفخ وصار مثل الكرة، وطلب الدخن الصعود إلى مركزه، فلم يجد منفذًا فجذبها معه إلى العلو، فجذبوها بتلك الأحبال مساعدة لها حتى ارتفعت عن الأرض، فقطعوا تلك الحبال، فصعدت إلى الجو مع الهواء ومشت هنية لطيفة ثم سقطت طارتها بالفتيلة وسقط أيضًا ذلك القماش، وتناثر منها أوراق كثيرة من نسخ الأوراق المبصومة. فلما حصل ذلك انكسف طبعهم لسقوطها، ولم يتبين صحة ما قالوه من أنها على هيئة مركب تسير في الهواء بحكمة مصنوعة ويجلس فيها أنفار من الناس ويسافرون فيها إلى البلاد البعيدة لكشف الأخبار وإرسال المراسلات، بل ظهر أنها مثل الطيارة التي يعملها الفراشون بالمواسم والأفراح".
وفقًا لما شاهده الجبرتي فالمركبة المقصودة هي البالون، ونتيجة لفشل التجربة سخط الناس واستهزأوا بالحيلة الفرنساوية فقد وجدوا أنها ليست أكثر منها طيارة كالتي يصنعها الفراشون في الأفراح. ومع ذلك لم ييأس الفرنسيون فكرروا التجربة للمرة الثانية، ويصفها لنا الجبرتي: "وفي يوم الأربعاء كتبوا أوراقًا بتطيير طيارة ببركة الأزبكية مثل التي سبق ذكرها وفسدت، فاجتمعت الناس لذلك وقت الظهر وطيروها وصعدت إلى الأعلى ومرت إلى أن وصلت تلال البرقية وسقطت، ولو ساعدتها الريح وغابت عن الأعين لتمت الحيلة وقالوا إنها سافرت إلى البلاد البعيدة بزعمهم".
إلى هنا تنتهي رواية الجبرتي وشهادته من موقع الحدث، وتنتهي الكتابات، ويصمت المؤرخون عند هذا الجزء من الرواية. الأمر الذي دفعنا إلى محاولة الغوص أكثر في تفاصيل الحيلة كما أسماها أهل المحروسة ومعرفة أبعاد الحكاية وبدايتها؛ لنجد أن أحداث الحكاية تعود ليوليو من عام 1798، عندما قرر نابليون غزو مصر فكانت الحملة الفرنسية على مصر. وهنا تبدأ قصتنا مع الملمح الثقافي للحملة؛ وبطل حكايتنا اليوم هو أحد علماء الحملة الذين صاحبوا بونابرت وجنوده.
كان نابليون حريصًا دومًا على إعلاء شأن العلم، وقد انتخب عضوًا بالمعهد القومي لفرع العلوم الطبيعية والرياضيات، ومن ثم فقد أصر على انضمام نخبة من الباحثين والفنانين والدارسين إلى مشروعه الضخم؛ ليعهد إليهم بالأعمال والمشاريع التي من شأنها إعادة بعث مصر وإبراز قيمتها. فكلف نابليون برتوليه Berthollet أستاذه في علم الكيمياء قبل حملته على إيطاليا بانتقاء هذه العناصر المتميزة بمسابقات في المدرسة العليا للهندسة ومتحف العلوم الطبيعية والكوليج دي فرانس وأقسام المعهد.
كانت حاجته تحديدًا إلى مهندسين؛ وذلك لأنه في قرارة نفسه كان ينوي حفر قناة السويس وفتح الطريق إلى الهند. ولكن نظرًا لوجوب تجنب إثارة شكوك كل من إنجلترا وتركيا من وجهة الحملة التي يستعد لها نابليون؛ فضل برتوليه عدم الحديث عن هذا المشروع إلا بعبارات فضفاضة مبهمة. وقد علق الجيولوجي دولوميو Dolomieu على ذلك قائلاً: "لم يكن بمقدوره الإفصاح عن وجهتنا فقد كان سرًّا كبيرًا. فقد سألته إذا كان في هذا البلد الذي يقصده جبال وأحجار، فأجابني قائلاً: الكثير منها، ورددت ضاحكًا: في هذه الحالة سأصحبكم".
بعد دخول بونابرت إلى القاهرة حلت حياة المعسكرات المريحة نسبيًّا محل حياة السفن والإبحار والمخيمات والمعارك والسير الإجباري الشاق. ومن هنا فقد هدأت نفوس العلماء قليلاً بعد الصعاب والمعاملة القاسية التي كان يعاملهم بها الجنود. وفي 22 أغسطس 1798، تم تأسيس معهد مصر على شاكلة "المعهد القومي بباريس"، وبلغ عدد أعضائه 36 عضوًا. وتصدرت أقسامه الأربعة صفوة منتقاة من المتخصصين في فروع العلم المختلفة، ففي قسم الرياضيات كان هناك مونج وجيرار وفوبييه وكوستاز وهي أسماء ستلمع لاحقًا في أكاديمية العلوم. أما في قسم الفيزياء فكان هناك رتوليه وكونتيه وديجينيت وجيوفروا سانت إيلار. وضم قسم الآداب والفنون كلاًّ من فيفان دونان، والرسامين دوترتر ورودوتيه، والشاعر برسوفال، والمستشرق فنتور. وكان مونج نائب الرئيس بونابرت رئيسًا للمعهد. حفز إبداع هذه الكوكبة العالمة اللجنة كلها وأصبح مقرها مركز أنشطة لكل الباحثين المعنيين بالأدب والفنانين القادمين إلى الشرق.
كان للمعهد موقع ممتاز، فقد اكتشف كل من مونج ورتوليه والجنرال كفاريللي بالقرب من مسجد السيدة زينب مجموعة من القصور مملوكة لأمراء من المماليك هربوا بعد معركة الأهرامات مع مراد بك. كانت منازل حسن بك كاشف، وقاسم بك، وإبراهيم بك السناري محاطة بحدائق ظليلة، وهذا المنزل الأخير باقٍ حتى الآن.
في منزل حسن باشا كاشف تم إنشاء معامل الكيمياء والفيزياء إلى جانب قاعات الاجتماعات والمكتبة، ولاحقًا أول متحف للمصريات يضم توابيت وحجر رشيد الشهير الذي اكتشفه الضابط بوشار. وكانت اجتماعات الأقسام تنعقد بصفة دورية منتظمة، وكان نابليون من حين إلى آخر يحضر بعضًا منها.
عكف أعضاء لجنة العلوم والفنون على العمل فورًا، تم تحديد ثلاثة أهداف لهم: الأول تقديم مساعدة تقنية لعسكريي وإداريي البلاد، ثم اكتشاف أسرار مصر وإظهارها لأوروبا، وأخيرًا نقل فنون أوروبا إلى شعب مصر.
حقق أعضاء لجنة العلوم والفنون معجزات؛ ذلك مثل نيكولا جاك كونتيه Nicolas Jacques conte مخترع الرصاص الصناعي لأقلام الرصاص الشهيرة، والذي كانت براعته وفكره الموسوعي موضع الإعجاب العام. فقد قال مونج عن كونتيه الذي أصبح قائدًا لفرقة المناطيد بالجيش: (إنه يمتلك جميع العلوم داخل رأسه وجميع الفنون بين يديه). وقد كتب أحد الفرنسيين الذي قضى جزءًا من حياته في مصر لدراسة أعمال هذه اللجنة الشهيرة (إن ما ابتدعه كونتيه خلال بضعة شهور لا يصدق؛ طواحين هواء، مغازل صوف وقطن، صناعة نسيج، مصانع ورق، قبعات، مسابك لحروف الطباعة، آلات لدبغ الجلود، ولصك النقود.. قام أيضًا بصنع نقالات لنقل الجرحى وحمالات خاصة للمدافع لعبور الصحراء، وحدد أنصالاً للسيوف، وصنع تليسكوبات وطبولاً وأبواقًا موسيقية).




نيكولا جاك كونتيه صاحب الحيلة الفرنسية
كان من بين هذه الكوكبة من العلماء المميزين، نيكولا جاك كونتيه صاحب الحيلة الفرنسية، وتوفي في 6 ديسمبر 1805. ولد في 4 أغسطس 1755 في سان سنتري بري سي (الآن أونو سور أورن) في نورماندي. وتميز بعبقريته الميكانيكية في خدمة الجيش الفرنسي في مصر. وقد وصفه نابليون بأنه: "رجل عالمي ذو مذاق وفهم وعبقرية قادرة على خلق فنون فرنسا في وسط الصحراء العربية".
كان علم الطيران هو أحد اهتماماته المبكرة قبل أن يغادر سي، كان بارزًا في علم الطيران الناشئ حديثًا وقد صنع على الأقل بالونًا واحدًا ممتلئًا بالهواء الساخن وطار به في الميدان العام إلا أنه لم يحقق نجاحًا عظيمًا. وبناءً على الشهرة التي بدأ يحققها كمخترع فقد عين في القوات الإيروستاتيكية في مودون؛ حيث كان واحدًا من أوائل من فهموا الإمكانيات العسكرية للبالون المربوط في أغراض الاستطلاع. وقد أسهم في تحسين إنتاج غاز الهيدروجين، وكذلك معالجته كيس الغاز في البالون نفسه.
وفي مصر طُلِبَ من كونتيه أن يستعرض خبرته في إنشاء البالون، وأن يستعد للارتفاع في هذا البالون احتفالاً برأس السنة الفرنسية (الثورية) في 22 سبتمبر 1798، إلا أنه لم يكن جاهزًا بما فيه الكفاية لذا فقد تأجل الحدث إلى 1 ديسمبر. وفي تلك المناسبة كادت جهوده أن تؤدي إلى كارثة. فقد شبت النار في البالون وقد تولد لدى المصريين الانطباع بأن ما رأوه كان آلة جديدة للحرب لإحراق معسكرات الأعداء. وفي محاولة ثانية ببالون أكبر فقد قيل ان ارتقاء البالون شاهده 100 ألف، وأغلب الظن أن استخدام البالون في مصر لم يكن مناسبًا للأغراض العسكرية.
كما اخترع كونتيه رصاص القلم الحديث بطلب من لازار نيكولا ماركريت كارنو. فقد كانت الجمهورية الفرنسية في ذلك الوقت تحت حصار اقتصادي ولا يمكنها استيراد الكرافيت من بريطانيا العظمى؛ المصدر الرئيسي للمادة، فطلب كارنو من كونتيه أن يصنع قلمًا لا يعتمد على واردات أجنبية. وبعد بضعة أيام من البحث، اختمرت لدى كونتيه فكرة خلط الكرافيت (الجرافيت) المسحوق مع صلصال وكبس المادة بين نصفي أسطوانة من الخشب، وبذلك تشكَّل القلم الرصاص الحديث. وقد حصل كونتيه على براءة اختراع لاختراعه في عام 1795. وأنشأ شركة كونتيه لصناعته. كما اخترع أيضًا كرايون كونتيه المسمى على اسمه وهو قضيب باستل صلب يستخدمه الفنانون.
إذًا لم يكن الأمر مجرد حيلة فرنسية لإبهار الناس فقط، بل هو محاولة جديدة ضمن محاولات وعمل كونتيه قائد فرقة المناطيد في الجيش الفرنسي، وحلقة من سلسلة التطوير التي بدأها كونتيه في مجال المناطيد قبل أن ينضم لعلماء الحملة الوافدة على مصر. فمنذ عام 1793، كان الجيش الفرنسي يستخدم البالونات في عمليات الاستطلاع العسكرية. وفي عام 1794، لعب البالون دورًا هامًّا في انتصار الفرنسيين في معركة فلوري. الأمر الذي جعل كونتيه يواصل عمله لاستخدام البالون في القاهرة سواء بهدف عسكري أو ترفيهي كالاحتفال بالسنة الفرنسية الجديدة، إلا أن الأمر لا يتوقف عند حد كونها حيلة باءت بالفشل. فقد كانت فكرة البالون في أوج انتشارها، ومحاولات كثيرة في أرجاء العالم لتطييره وتحديثه وأخباره احتلت الصدارة في الصحف الأوروبية المختلفة واستحوذت عروض تطيير البالونات على اهتمام الناس، فكانوا يتجمعون في أعداد غفيرة لمشاهدة التجربة الجديدة بعد دعاية مثيرة لها من قبل أصحاب البالون. الأمر الذي كرره الفرنسيون في مصر وإن كان لم يلق الاهتمام الكبير آنذاك ربما لفشل التجربة أو لكون الفرنسيين غزاة لبلد كان آمنًا، فمن الطبيعي أن ينفر المصريون من كل ما هو فرنسي.

هناك تعليقان (2):