الاثنين، 19 سبتمبر، 2011

ملكة بريطانيا تهدي صورتها لمحمد علي


القوة في السياسة الدولية هي التي ترفع مقام الدولة في نظر الشعوب والحكومات، وتجعل لملوكها وأمرائها ورجالها شأنًا يعلو بهم فوق أقدار الآخرين من العاطلين والمستضعفين، ومن أَجَلّ مآثر محمد علي الكبير على مصر أنه أنشأ لها قوة حربية وبحرية دوت أخبار انتصاراتها في آذان العالم جميعًا؛ فكان الملوك والساسة وعامة الناس شرقًا وغربًا إذا ما طرقوا موضوع السياسة الدولية بين سنتي 1839 و1841 لا يتكلمون إلا عن انتصارات محمد علي وهزيمة السلطان، وعن تطورات المسألة الشرقية واحتمال وقوع الحرب بشأنها. كما أن مجموعة الخطابات التي تبادلتها الملكة فكتوريا مع خالها لنيوبولد ملك البلجيك ومع وزرائها تدهش من يقرؤها؛ لما سيجده من اهتمام الساسة بهذه الأزمة، واشتغالهم بأنبائها عما عداها، حتى إن ملكة إنجلترا لم تغفل عن ذكرها وهي تكتب خطاباتها الخاصة لذوي قرباها، وكانت الملكة الشابة إذ ذاك تنعم بأسعد أوقات حياتها، فقد ارتقت عرش إنجلترا ولم تكد تبلغ الثامنة عشر من عمرها وقد حباها الله جمالاً وذكاء وحبًّا للخير جعلها معبودة الشعب الإنجليزي، وقد اكتملت سعادتها حين تم زواجها في فبراير سنة 1840 بالأمير ألبرت ساكس كوبرج وهو ابن خالها الأمير أرنست.
             وفي أكتوبر من ذلك العام كانت الملكة والبلاد تستعد لاستقبال بشرى ولادة ولي العهد، فكتبت فكتوريا إلى خالها ليوبولد تقول له: إنها شديدة الاهتمام بإعادة الصفاء والسلام بين إنجلترا وفرنسا، وإن لهجة اللورد بالمرستون وزير خارجيتها قد خفت عما كانت عليه من قبل، وإنه استمع لنصحها، فكتب إلى القسطنطينية يطلب إلى سفيره حثّ الباب العالي على سحب فرمان عزل محمد علي ومنحه حكم مصر بحق الوراثة. ثم قالت في ختام خطابها: إن الناس هنا ليس لهم حديث إلا موضوع المسألة الشرقية وإنها لذلك تقترح في دعابة رقيقة منها أن يضاف إلى أسماء المولود المنتظر اسمان آخران "تركي ومصري". ولكن مولودها الأول جاء أنثى فاسمتها فكتوريا أيضًا - وهي والدة وليم الثاني إمبراطور ألمانيا المشهور- ولم يولد ولي العهد إدوارد إلا بعد عام من ذلك التاريخ.
             ولما علمت فكتوريا أن السفير الإنجليزي بالقسطنطينية يتباطأ ويعرقل الاتفاق بين محمد علي والسلطان، ويؤخر بذلك إنهاء الأزمة، أمرت بأن تعرض عليها الخطابات التي يرسلها إليه وزير الخارجية، فكانت تقرؤها وتوقع عليها بالأحرف الأولى من اسمها بعد أن تؤشر عليها بالموافقة. ومن عجب اهتمام الدول بشأن محمد علي بعد انتهاء الأزمة أنه لم يقل عما كان في أثنائها، بل إنه ليبدو أن الدول كانت تنافس بعضها بعضًا في إظهار شعورها وإعلان تقديرها لمحمد علي، فأرسل السلطان عبد المجيد مندوبًا خاصًّا من قبله يدعو محمد علي إلى زيارة اسطنبول؛ فزارها في يوليو 1846 ونزل في أحد قصور السلطان بترابيا، وتناول الغداء مع السلطان بمفرده بعد أن قدمه بنفسه إلى السلطانة الوالدة، وأهدى إليه السلطان صورته ورصيعة ماسية حلى بها صدره عند عودته، وأهدى إليه الملك لوي فيليب ملك فرنسا الوشاح الأكبر من وسام الشرف وساعة بلغت قيمتها 2800 جنيه. وأرسلت إليه مدينة لندن خطابًا تعترف فيه بمآثره على رجال الأعمال وتشيد بالسياسة المستنيرة التي سار عليها حتى في أثناء محاربة الدول له، أما حكومة الهند فأهدت إليه في سنة 1845 نافورة عظيمة من الفضة الخالصة بلغ ارتفاعها عشر أقدام وقطرها أربع أقدام وبلغ ثمنها آنذاك أكثر من سبعة آلاف جنيه.
غير أن أعظم الهدايا قدرًا في نظر محمد علي كانت الهدية التي وصلته من الملكة فكتوريا، وكان ذلك في أكتوبر 1845 حين تم الاتفاق بين الحكومتين المصرية والإنجليزية على نقل البريد الإنجليزي داخل مصر عبر الطريق البري من الإسكندرية إلى السويس، وقد أرادت الحكومة الإنجليزية أن تقيم نظام لنقل البريد على أساس ثابت بينها وبين مصر، حتى لا يتعرض في المستقبل لأي خطر بعد وفاة محمد علي. وكانت هذه الحكومة في الوقت نفسه تشعر بحرج إذا عقدت الاتفاق مع محمد علي رأسًا، فإن في عقد اتفاق مباشر بين الحكومتين شبه اعتراف من جانب إنجلترا باستقلال مصر. وكان هذا مما يسيء إلى العلاقات بينها وبين تركيا، فغضب محمد علي لذلك، وأصدر في الحال قرارًا بتأليف شركة حكومية أسماها "شركة الترانزيت الأميرية" وعين مديرًا لها عبد الباقي بك، فاتصل مدير الشركة بمدير البريد الإنجليزي وتم الاتفاق بينهما على أن تقوم مصر بنقل البريد الإنجليزي مقابل 40 قرشًا عن كل رطل إنجليزي وخمس بارات عن كل جريدة أو ورقة مطبوعة.
وقد أعجبت الحكومة الإنجليزية بتصرف الباشا، فقررت أن تعبر لمحمد علي عن تقديرها وشعورها نحوه بإهداء صورة الملكة إليه. وفي 23 سبتمبر 1845 كتب وزير الخارجية لورد إبردين إلى القنصل العام الإنجليزي بمصر يبلغه أن صورة الملكة المرصعة بالألماس سترسل في أوائل الشهر المقبل لإهدائها إلى الباشا، وكذلك كتب اللورد يدعو إبراهيم باشا إلى زيارة إنجلترا في أثناء رحلته للتداوي بأوروبا، ويؤكد في خطابه أنه سيلقى فيها رعاية كبرى لا للمزايا التي يتمتع بها إبراهيم باشا فحسب، ولكن كدلالة لما يكنه الشعب الإنجليزي من الاعتبار نحو محمد علي نفسه.
ولما قدمت إلى محمد علي الهدية النفيسة التي أرسلتها شركة الهند الشرقية باسم حكومة الهند اتجه محمد علي نحو القنصل الإنجليزي، وقال: "إني أحسب الأيام وأعدها عدًّا حتى تصل الباخرة الإنجليزية التي تحمل هدية الملكة، إن الشيء القليل الذي يأتيني من لدن الملكة لأجل قدرًا وأعظم قيمة من الكنوز جميعها التي تقدمها إليُّ شركة الهند.
وفي 28 أكتوبر سنة 1845 وصلت الهدية، فأعد الباشا حفلاً رائعًا انتظم مئات من المصريين والأجانب بملابسهم الرسمية، ولما قدم القنصل هدية الملكة في صندوقها المكسو بالمخمل الأخضر، رفعها الباشا إلى رأسه ثم وضعها على وسادة أمامه، وقال مخاطبًا القنصل: "إن تأثري الشديد قد غلبني وأعجزني عن التعبير عما يخالج نفسي من شعور الغبطة. وإني لأعهد إليك يا جناب القنصل أن تبلغ لورد إبردين تقديري لهذا الشرف العظيم الذي حبتني به الملكة".
سوزان عابد

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق