الأحد، 23 أكتوبر، 2011

فنجان قهوة

فنجان قهوة
          بمذاق البن المحوج ونكهة شرقية مميزة نبدأ حكاية اليوم مع فنجان من القهوة اللذيذة والمرة في الوقت نفسه.. حكاية أول فنجان من القهوة في مصر.. ذلك المشروب الفريد الذي انتقل من اليمن إلى كافة أنحاء الشرق ومن الشرق انتقل إلى أوروبا. فالقاصي والداني يعرف القهوة المشروب والمكان الذي استمد اسمه من هذا المنتج.         
"أيتها القهوة أنت تبددين جميع الهموم.. أنت شراب الحكماء المفضل.. رائحتك تزري برائحة المسك، ولونك لون الحبر الذي يغمس الأديب فيه قلمه.. إن جميع الهموم تهرب أمام فنجان قهوة كما تهرب العصافير أمام الطير الكاسر".
          بهذه الكلمات الرقيقة وصف عبد القادر الجزيري شراب القهوة الجديد الذي ظهر باليمن وأصبح خلال عقود مشروبًا عالميًّا. ولكن هل خُيَّل إليك عزيزي القارئ وأنت ترتشف فنجانك الصباحي من القهوة أنك تشرب منكرًا! أو تفعل إثمًا سوف تحاسب عليه! وعليك أن تتوب عن ذنب إدمان فنجان القهوة صباحًا؟ أنت اليوم تشرب قهوتك بنكهات مختلفة، وتفضل مطحنًا على آخر، وتقارن بين البن اليمني والبن البرازيلي، وتستمتع بشعور اليقظة والتركيز الذي يمنحه لك ذلك المشروب السحري؛ دون أن تعرف الكثير عنه أو عن أسباب تحريمه وإباحته وردود الفعل المختلفة التي أثارها هذا المشروب الجديد! 
          كانت بداية ظهور مشروب القهوة وانتشارها محل جدل وخلاف؛ فقد اختلفت الروايات وصارت حبات شجر البن محل القصص والأساطير المختلفة، إلا أن جميع الروايات تتفق في شيء واحد وهو الوقت الذي دخلت فيه القهوة إلى اليمن  والذي كان في عام 1450 تقريبًا، وأنها ارتبطت بالصوفيين ولكن شيئًا فشيئًا حذا عامة الناس حذو المتصوفة وسرعان ما انتشر استهلاكها بين كل فئات الشعب. ومن اليمن انتقل مشروب القهوة إلى مكة ومصر وبلاد المغرب وأوروبا.
كيف عرف أهل اليمن القهوة؟
          بعض الروايات التي تناقلها المؤرخون حول بداية زراعة شجر البن وعمل مشروب القهوة ترجعه إلى بلاد الحبشة. وأن الشيخ الإمام جمال الدين الذبحاني قد كُلف بالذهاب إلى عدن للنظر في بعض الفتاوى وتصحيحها، وسافر إلى بلاد الحبشة وأقام بها، ووجد هناك أناسًا يشربون القهوة ثم عاد إلى عدن وأصابه بعض المرض فتذكر القهوة وشرب منها، ولاحظ أنها تذهب التعب والاسترخاء وتقوي الجسم وتبعث فيه النشاط. ومن هنا عرف أهل اليمن القهوة وانتشرت زراعة شجر البن. ورواية أخرى عن دخول القهوة إلى اليمن يرجع الفضل فيها إلى علي بن عمر الشاذلي شيخ موخا (ميناء باليمن). وقد ظل اسم هذا الميناء - موخا - مرادفًا للقهوة لمدة ألف عام، ومنه جاءت "موكا" أحد أصناف القهوة الشهيرة في الغرب؛ نظرًا للدور الذي لعبه ميناء موخا كمركز هام للتبادل التجاري ولحركة سفن البن من اليمن إلى مصر وأوروبا.
          انتقل مشروب القهوة من اليمن إلى مكة ومصر - كانت مكة ومصر آنذاك تحت الحكم المملوكي - إلا أن المشروب الوليد آثار حوله ضجة هائلة. وتكشف واقعة مكة في 917هـ/ 1511م أن القهوة كانت قد وصلت الحجاز قبل سنوات على الأقل، حتى انتشرت وارتبطت بها مظاهر معينة كما هو واضح من المحضر الذي حرر بالواقعة وأرسل إلى القاهرة حسب الأصول في تلك السنة وهو أقدم ما لدينا من النصوص التي توفر لنا بعض المعطيات المهمة المتعلقة بوصول وانتشار القهوة.
          وكان السلطان قانصوه الغوري قد عين خاير بك ناظرًا على الحسبة في مكة؛ حيث رأى ليلة 22 ربيع الأول 917هـ/ 1511م خلال طريقه من الكعبة إلى بيته جماعة تحتفل بالمولد النبوي ووجد بينهم شيئًا يتعاطونه على هيئة الشربة الذين يتناولون المسكر ومعهم كأس يديرونه ويتداولونه بينهم. فسأل عن الشراب المذكور فقيل إن هذا الشراب اتخذ في هذا الزمان وسمي القهوة يطبخ من قشر حب يأتي من بلاد اليمن يقال له البن. وإن هذا الشراب قد فشا أمره بمكة وكثر وصار يباع في مكة على هيئة الخمارات ويجتمع عليه بعض الناس بالرهن وغيره مما هو ممنوع في الشريعة. ويبدو أن كل هذه الأمور المصاحبة لانتشار المشروب الجديد قد أقلقت ناظر الحسبة؛ ولذلك فقد جمع في صباح اليوم التالي قضاة الإسلام وعلماءه ممن يتصفون بمعرفة العلم والتصوف والزهد والورع والدين ممن يقتدى بقولهم وفعلهم؛ مثل قاضي القضاة صلاح الدين بن ظهيرة الشافعي، والقاضي نجم الدين عبد الوهاب المالكي، والشيخ شهاب الدين فاتح البيت الحرام، والشيخ عبد الله اليماني الحضرمي، والشيخ عبد النبي المالكي المغربي وغيرهم لمناقشة أمر القهوة واجتماع الناس عليها على هذه الهيئة المشروحة. وقد اتفق العلماء في نقاشهم على التمييز بين القهوة نفسها وبين ما صاحب شربها من مظاهر وأحوال. وهكذا فقد أجمعوا على أن اجتماع الناس على هذه الهيئة حرام. أما الحب المسمى البن فحكمه حكم النباتات والأصل فيه الإباحة، ولكن تركوا الأمر للأطباء لكي يقروا إذا كان يحصل من شرب القهوة ضرر في البدن أو العقل.
          وقد اقتنع خاير بك بما انتهى إليه العلماء وأحضر فورًا طبيبين من أعيان السادة الأطباء في مكة هما الشيخ نور الدين أحمد العجمي الكازروني وأخوه الشيخ علاء الدين الكازروني، فشهدا بأن المشروب المتَّخَذ من قشر البن باردًا يابسًا مفسد للبدن المعتدل. ولما تحقق الأمر لخاير بك أشهر النداء بمكة المكرمة بنواحيها وطرقها بالمنع من تعاطي القهوة المذكورة، وحين وصل الأمر إلى السلطان الغوري أصدر مرسومًا لنشره في مكة جاء فيه: "أما القهوة فقد بلغنا أن أناسًا يشربونها على هيئة شرب الخمر ويخلطون فيها المسكر ويغنون عليها بآلة ويرقصون وينكسرون. ومعلوم أن ماء زمزم إذا شرب على هذه الهيئة كان حرامًا. فليمنع شرابها من التظاهر بشربها والدوران بها في الأسواق".
          ويعلق على هذا الحادث مؤرخ معاصر للأحداث هو عبد القادر بن محمد الأنصاري الجزيري الحنبلي في مخطوطة بعنوان: "عمدة الصفوة في حل القهوة"، حيث وصف لنا الواقعة ورد فعل العامة تجاه مشروب القهوة بعد الأمر السلطاني الصادر من السلطان الغوري.
القهوة في الأزهر الشريف!
          في رواق أهل اليمن بالأزهر ارتشف بعض صوفيي اليمن رشفات من القهوة لتساعدهم على الدراسة والاستيقاظ والذكر، وشيئًا فشيئًا انتشر أمر القهوة بين دارسي الأزهر الشريف ومن هنا كان ميلاد دخول مشروب القهوة إلى مصر في العقد الأول من القرن السادس عشر. وقد قوبلت القهوة بمعارضة شديدة من قبل رجال الدين والطبقات المتشددة - كما كان الحال في مكة أيضًا - ففي عام 1532 قام أحد فقهاء المذهب الشافعي وهو الفقيه أحمد بن عبد الحق السنباطي بحملة عنيفة ضد المشروب الجديد عندما طرح عليه أحد السائلين سؤالاً حول شرب القهوة: "ما رأيك في المشروب الذي يدعى قهوة والذي يزعم بعضهم أنه مباح رغم ما ينجم عنه من نتائج وعواقب فاسدة؟" فأفتى بتحريمها وبالتالي قامت ردود فعل سلبية عليها وعارضها المجتمع بشدة.
          استمرت معاداة القهوة ومحاولات تحريمها بضراوة؛ ففي عام 1534 أدت خطبة أحد الأئمة عن القهوة إلى هياج شعبي ضدها. وفي عام 1539 هاجم صاحب العسس في شهر رمضان مستهلكي القهوة وحبس بعضهم. وفي عام 1572 صدر حكم سلطاني مفاجئ إلى القاهرة - كانت مصر آنذاك تابعة للدولة العثمانية والسلطان العثماني - في مطلع شعبان 968 هـ/ 1572م يقضي بمنع المنكرات والمسكرات والمحرمات، وبغلق أبواب الحانات والخانات، ومنع استعمال القهوة والتجاهر بشربها، وهدم كوانينها وكسر أوانيها.. ولتنفيذ هذا الحكم كما يصف الجزيري: "كان العسس على الفحص وبيوتها وباعتها شديدًا جدًّا، وضربوا وأشهروا وهدموا البيوت وكسروا أوانيها المحترمة الطاهرة التي هي مال لرجل مسلم.. ولم يبلغن فعلهم مثل ذلك في أواني الخمر والبرش والحشيشة". ونرى أن الجزيري في وصفه للواقعة كان ساخطًا على التعسف في منع القهوة وإغلاق المقاهي خاصة وأن السلطة العثمانية كانت تتساهل مع شرب الخمر والبرش والحشيشة.
          وعندما أحدثت القهوة فتنة بين الناس بين مؤيدين ومعارضين وحلال وحرام؛ سأل جماعة من علماء القاهرة قاضي مصر الشيخ محمد بن إلياس الحنفي عن حكمها، فأمر بطبخها في منزله وسقى منها جماعات بحضرته وجلس يتحدث معهم معظم النهار ليختبر حالهم، فلم ير فيهم تغيرًا ولا شيئًا منكرًا فأقرها.
          لم يكن أمر تحريم القهوة ومعاداتها قاصرًا على المسلمين فقط؛ ففي بروسيا في عام 1777 شن فريدريش الأكبر حملة لحظر القهوة دفاعًا عن صناعة البيرة التي رأى فيها رمزًا للهيمنة الألمانية. وكان ذلك في وقت ساد فيه شعار "لا تثق في أي شيء غير ألماني"، وانعكست هذه القضية في عمل فني هو "كانتاتا القهوة"؛ وهو عرض موسيقي أوبرالي للدفاع عن القهوة، حيث يحكي العرض قصة أب صارم يهدد ابنته التي تعشق شرب القهوة بأن تختار بين خطيبها أو الاستمرار في عاداتها ولكنها تصر على مشروبها المفضل، بل وتشترط في النهاية أن ينص عقد الزواج على حقها في صنع وشرب القهوة في أي وقت تشاء.
          الغريب أن المعارضين للقهوة أسسوا تحريمهم لها على أساس أنها شراب (مسكر) وأحدهم ساوى بين القهوة والحشيش، وكان أكثرهم اعتدالاً يرى أنه يكفي لحرمانيتها أنها تحدث تغييرًا في العقل والبدن، وقد اعتمد المؤيدون للقهوة على مبدأ (الإباحة الأصلية) الذي أنقذ القهوة من التحريم وأشار أحدهم معلقًا على نظرية التغير إلى أن الثوم والبصل وغيرهما من أنواع الطعام والبهارات تحدث تغيرات قوية في الجسم والمخ ومع ذلك لم يدع أحد إلى تحريمها. ولكن رغم هذه المواقف العدائية للقهوة عند البعض من العلماء والفقهاء والمتشددين؛ فإنها فرضت نفسها كمشروب تقليدي وأصبحت أماكن احتسائها مجالس جديدة للأنس، في الوقت الذي راجت فيه تجارة البن وانتقلت من اليمن إلى مصر ومن مصر انتقلت إلى إسطنبول وأوروبا وعم استهلاك القهوة وصارت مادة تجارية مهمة.
تجارة البن
          بلاد اليمن هي الموطن الذي يورد حبوب البن إلى مصر ومنها إلى إسطنبول وأوروبا، وبفضل تجارة البن استعادت مصر بعضًا من نشاطها التجاري ودورها المحوري في العلاقات التجارية الدولية التي فقدتها باكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح؛ الذي حول مسار الرحلات البحرية من البحر المتوسط والسويس والبحر الأحمر إلى الدوران حول القارة. ففقدت مصر مكانة اقتصادية وتجارية كانت تتمتع بها. ولكن جاءت تجارة البن لتعيد لمصر مكانتها من جديد وتساعد في دعم الاقتصاد المصري في ظل دور التبعية للدولة العثمانية الذي ساهم بنصيب كبير في التقليل من دور مصر سياسيًّا واقتصاديًّا. وسريعًا أصبحت مصر أهم مورد للبن في إسطنبول عاصمة العثمانيين وفي كافة الأنحاء والأقاليم الخاضعة للتبعية العثمانية وإلى الدول الأوروبية. وأصبح مشروب القهوة من أساسيات الحياة في إسطنبول لدرجة أنه إذا حدث نقص في محصول البن كان السلطان العثماني يحرص على أن تمون مصر تموينًا كافيًا للاستهلاك في إسطنبول حتى وإن أدى الأمر إلى منع أن تخرج هذه السلعة إلى البلدان الأوروبية. واحتلت حاصلات تجارة البن أعلى الأرقام بين حاصلات المحاصيل المختلفة والبهارات، واحتكرت مصر تجارة البن فترة طويلة واغتنى الكثير من تجار القاهرة إثر ذلك. إلا إن ابتداءً من سنة 1770 بدأت أزمة البن اليمني؛ حيث دخلت البلدان الأوروبية في مضمار المنافسة الشرسة مع اليمن كموطن للزراعة والتصدير، ومع مصر كمورد تجاري للمحصول. فقد نجح الأوروبيون في زراعة شجر البن في جزر الهند الغربية (جزر الانتي)، ونجحوا أيضًا في الدخول مباشرة في سوق الإنتاج اليمني مستبعدين مصر كوسيط تجاري. فمنذ بداية القرن الثامن عشر كانت أوروبا تحاول جاهدة الدخول مباشرة إلى الأسواق اليمنية وكسر احتكار مصر لتجارة البن؛ فأنشأ الهولنديون محطة تجارية في موخا كانوا يرسلون إليها كل سنة سفينة حمولتها 700 برميل لشحن القهوة وبضائع أخرى من الجزيرة العربية. وفي عام 1720 امتلك الإنجليز محطة تابعة لشركة الهند في اليمن ونقلوا من خلالها محصول البن إلى بلادهم ومقاطعاتهم. وكذلك فعل الفرنسيون. ومن هنا فقد كبار التجار في مصر الكثير من مصالحهم ورخائهم الاقتصادي الذي تمتعوا به عقودًا طويلة في ظل احتكارهم لتجارة البن. وفقدت مصر من الناحية الاقتصادية مصدر دخل مهم اعتمدت عليه فترات طويلة خلال حكم العثمانيين لها. كما فقدت بلاد اليمن الصدارة التي احتلتها في زراعة البن نتيجة لانتشار زراعته في جزر الهند وبعض البلدان الأوروبية، وأصبحت البرازيل من الدول الكبرى المنافسه للبن اليمني. ثم استبدل اليمنيون أنفسهم زراعة البن بزراعة القات؛ إلا أن مشروب القهوة استمر مشروبًا عالميًّا حتى اليوم وتعددت طرق تحضيره واختلفت نكهاته من بلد لبلد ومن طريقة لأخرى.

‏هناك تعليق واحد:

  1. جميييييل جدااااا الموضوع يا سوزي

    ردحذف