الثلاثاء، 22 مايو، 2012


متحف بولاق…..حكاية متحف



بقلم سوزان عابد
على ضفاف نهر النيل وفي مكاتب مهجورة لإحدى شركات الملاحة النهرية ببولاق تبدأ حكاية أول متحف للآثار في مصر الحديثة؛ متحف بولاق.
ففي الثامن عشر من أكتوبر 1863م تم افتتاح متحف بولاق في حفل رسمي بهيج اجتمع فيه كبار رجال الدولة؛ ليُكلَّل جهد رجل سعى كثيرًا للحفاظ على آثار مصر وحمايتها، إنه أوجست مارييت الفرنسي الجنسية ابن الموظف الصغير بمدينة بولوني سور مير. عمل مارييت مدرسًا للرسم في مدرسة المدينة وكانت له تجارب أدبية وصحفية متواضعة لا تضاهي شهرته كعالم آثار. فقد وقع مارييت في هوى الآثار المصرية مما دفعه للحصول على فرصة عمل بمتحف اللوفر ليكون قريبًا من معشوقته مصر التي تجسدت أمامه في توابيت ومومياوات وأحجار جلبها المنقبون إلى فرنسا لتقبع داخل صالات العرض باللوفر. واستطاع مارييت أن يقنع مرءوسيه بسفره إلى مصر للتنقيب عن الآثار والحصول على مخطوطات نادرة، وبالفعل جاء إلى مصر ليكتب تاريخه من جديد.
في مصر تعرف مارييت على فرديناند ديليسبس الذي كان يتمتع بنفوذ واسع وشهرة عظيمة، وطلب منه تقديمه إلى الوالي محمد سعيد باشا والي مصر آنذاك ومساعدته في إنشاء دار للآثار. وبالفعل تمت المقابلة وشرح مارييت لسعيد باشا كيف تنهب آثار مصر مدللاً على صدق كلامه بأنه أمضى أربع سنوات بين الفلاحين رأى خلالها ما لا يصدقه عقل من اختفاء 700 مقبرة من منطقتي أبوصير وسقارة. وأخذ يعدد له فوائد إنشاء دار للآثار تكون مهمتها الأولى تنظيم عمليات التنقيب وعرض الآثار المصرية التي أصبحت مرتعًا لكل يد تمتد إليها خاصة أن المنقبون أصبح شغلهم الشاغل هو جني المال وبيع ما يعثرون عليه من آثار لنبلاء أوروبا ليزينوا به قصورهم ومتاحفهم.
وطَلَبُ مارييت هذا يذكرنا بموقف جان فرانسوا شامبليون الذي توصل لفك رموز حجر رشيد ومعرفة حروف الكتابة الهيروغليفية عندما جاء إلى مصر في بعثة أثرية أيام محمد علي باشا وقدم له نشرة موجزة عن تاريخ مصر مرفقًا بها مذكرة بشأن الحفاظ على آثار البلاد، وأورد بها قائمة بالآثار الباقية بين عامي (1829م– 1830م) وأبدى فيها شامبليون أسفه الشديد على السرعة الرهيبة التي اختفت بها مجمعات معمارية هامة مثل هرموبولس (الأشمونيين) وغيرها من الآثار. وأبلغ فيها شامبليون محمد علي عن التدمير الذي لايشمل الفلاح والمهندس والمضارب ومُهَرَّب المومياوات والتماثيل فحسب بل يمتد للمنقبين من غير ذوي الكفاءة والجشعين، وطَالَبَ بضرورة تنظيم أعمال التنقيب. وإن كان محمد علي لم يهتم كثيرًا في أول الأمر إلا أنه أصدر أوامره بمنع تهريب الآثار وضرورة الحفاظ عليها وجمعها وترتيبها في قاعات سراي الدفتردار بالأزبكية عام 1848م.
وجاء مارييت في عام 1858م ليحقق حلم شامبليون؛ حيث أوكل إليه محمد سعيد باشا مهمة الحفاظ على الآثار المصرية، وعَيَّنه مديرًا لمصلحة الآثار المصرية. ومن هنا انطلق مارييت في عمله في مجال التنقيب المنظم وفي عمله بالمتحف، وبالرغم من أن متحف بولاق كان متواضعًا للغاية؛ إذ كان يشغل بقعة على ساحل رملي وَعِرٍ تجور عليه مياه النيل في أغلب الأوقات، وبه أيضًا يوجد منزل مارييت وأسرته، أما قاعات العرض فكانت مكتظة بالمعروضات ورغم ذلك كانت محل إعجاب الزوار وانبهارهم. وبذلك كان لمصر السبق في الشرق الأوسط في تاريخ المتاحف لتلحق بالسباق الدولي في تأسيس المتاحف بمفهومها الحديث من قاعات عرض منظمة ومُرَتَّبة تتيح للزائر خلال جولته معرفة تاريخ الشعوب وحضارتهم.
أما في باريس فقد كان القائمون على متحف اللوفر متذمرين من غياب مارييت الذي لا يزال معينًّا بالمتحف وأفضى الأمر برؤسائه إلى مطالبته بالاختيار بين فرنسا ومصر، وكان مارييت ممزقًا بين البلدين ولكنه اختار مصر. وعندما توفي سعيد باشا وجاء من بعده الخديوي إسماعيل اعتمد كليًّا على مارييت في أمور شتى بدءًا من تنظيم الجناح المصري بمعرض باريس الدولي عام 1867م، ومصاحبته لرحلة ضيوف مصر أثناء احتفالات افتتاح قناة السويس عام 1969م، وتحضيره لأوبرا عايدة. كما ذاع صيت مارييت كثيرًا بفضل اكتشافاته في مجال التنقيب خاصة في سقارة أبيدوس.
جاء عام 1787 بما لا تشتهي السفن، فقد زاد فيضان النيل وغمرت المياه مبنى متحف بولاق، وأتلفت الكثير من معروضاته وفُقد الأكثر، وعندما انحسرت المياه عن المبنى أخذ مارييت في التنقيب من جديد عن معروضاته ولكن هذه المرة تحت ركاد الطمي الذي خلفه الفيضان وراءه، وأخذ يعيد ترتيب ما عثر عليه ووضع ما تبقى في صناديق، وحزن كثيرًا لفقدان الكثير من القطع وتَهشُّم الرقيق منها، ولجأ إلى الخديوي إسماعيل طالبًا العون للحفاظ على ما تبقى من معروضات خاصة بعد أن أصبح موقع المتحف غير آمن بالمرة من ناحية الفيضان ومن ناحية أن المبنى أصبح متهالكًا ولا يليق بكونه متحفًا لأعظم حضارة عرفتها الإنسانية، وكل ما فعله الخديوي هو إعطاء مارييت عربخانة أمام مبنى المتحف ليزود بها متحفه. ولم يعترض مارييت وبدأ العمل من جديد في ترتيب المعروضات وتنظيفها من الطمي لتصلح للعرض. وتم افتتاح المتحف من جديد في عام 1881م، وهو نفس العام الذي توفي فيه مارييت وخلفه من بعده “ماسبيرو” ليواصل حلم مارييت بنقل المتحف وتوسعته، فعندما زادت المعرضات نتيجة لأعمال التنقيب التي أخرجت الكثير من آثار مصر من تحت الركاد؛ تم نقل المتحف في عام 1891م إلى سراي الجيزة واستمر بها إلى أن تم نقله للمرة الثالثة عام 1902م إلى موقعه القابع بميدان التحرير.
أما مارييت فقد أقيمت له جنازة رائعة وأقيم قبره في حديقة متحفه أمام تمثال خفرع، لقد صَمَّم تابوته الحجري المهندس المعماري أمبرواز بودري وكانوا ينقلون قبره إلى كل مكان جديد يُنقل إليه المتحف ففي عام 1891م نُقل مع المتحف إلى سراي الجيزة، وفي عام 1902م نقل إلى المتحف المصري الحالي؛ حيث لايزال قائمًا إلى الآن. وفي مدينته ومسقط رأسه “بولوني سور مير” أُقيم له تمثال من البرونز فوق قاعدة على شكل هرم مبتور ويظهر مارييت مرتديًا طربوشًا. وتم تدشين التمثال في 16 يوليو 1882م في احتفال بسيط.

“في حياتي كلها فعلت شيئين يعرفهما العالم أجمع؛ السرابيوم ومتحف بولاق”.
أوجست مارييت

هناك تعليقان (2):

  1. مقال اكثر من رائع وبالتوفيق يارب

    ردحذف