الاثنين، 30 يوليو، 2012

ميناء البصل
حي الأعمال بالإسكندرية
سوزان عابد

          في الطرف الغربي من الإسكندرية وعلى ضفاف ترعة المحمودية بالقرب من رصيف الميناء والجمرك؛ نبدأ حكايتنا مع دقات السابعة صباحًا؛ حيث يبدأ العمل في حي الأعمال؛ حي ميناء البصل فتمتلأ الإسكندرية ضجيجًا وصخبًا مفعومًا بالنشاط وعرق أبنائها من العمال والتجار. ها هو قطار البضائع يصل الميناء مُحَمَّلاً بالغلال، والعمال يهرولون؛ لنقل حمولته لتجهيزها ونقلها على متن السفن التي ستتولى عملية تصديرها. وها هي السفينة المُحَمَّلة بالمعدات والمهمات ترسو في انتظار تفريغها؛ لنقلها للورش والشركات والمصانع الكبرى، لاستكمال المشروعات المهمة التي يتم تأسيسها في المدينة. وها هو العامل داخل شون القطن يكبس القطن ويرقمه لنقله لمبنى البورصة لبيعه. بدأت البنوك في عملها والسماسرة أخذوا أماكنهم، كلٌّ في مكانه لتبدأ المزايدة للوصول لأعلى سعر في بالة القطن.
          حياة اختفى جزء كبير منها الآن وبقي القليل ليصبح شاهدًا على ضجيج حي الأعمال .. شوارع تروي لنا قصة آلاف من الأجداد من عمال وحمالين وسائقين وتجار عاشوا أحداث قصتنا.. إنه ميناء البصل حي الأعمال لا رجال الأعمال فقط، ففي حين كان ميدان القناصل (المنشية الآن) هو حي البنوك والقنصليات وصفوة التجار من الأجانب؛ كان حي ميناء البصل هو حي تنفيذ الأعمال التي تعاقدت عليها البنوك ورجال البورصة.
          عُرِف حي الأعمال باسمه الذي اكتسبه من طبيعة عمله وهو تصدير الحبوب والبقول والخضروات وأشهرها البصل فأصبح يُعرف بميناء البصل، كما عُرِفت بورصته التي تخصصت في بيع القطن بالتحديد باسم بورصة ميناء البصل لا بورصة القطن.
          ازدهر حي الأعمال وذاع صيته عقب إتمام حفر وتوسيع ترعة المحمودية عام 1820م التي أصبحت بمثابة الشريان الذي يربط الإسكندرية بمحافظات مصر من خلال المجرى الملاحي النيلي، كما كان لإتمام مشروع دار الصناعة الكبرى "الترسانة البحرية" 1831م - الذي تبناه محمد علي وعهد إلى "سيريزي بك" العمل فيه – كان له عظيم الأثر على حركة التجارة بين بيع وشراء واستيراد وتصدير بالإسكندرية، إلى جانب دورها في تصنيع السفن وصيانتها ومازالت قائمة إلى اليوم تؤدي عملها، مما شجع التجار والعاملين بالبنوك والبيوت المالية الأوروبية على التوافد للإسكندرية للعمل بها. كما ساهم مشروع خط سكة حديد القاهرة السويس - الذي تم الانتهاء منه عام 1858م - في اتصال الإسكندرية بالسويس عن طريق الخط الحديدي. ومن هنا تحولت منطقة ميناء البصل إلى منطقة صناعية بالدرجة الأولى لاسيما وأن العوامل الاقتصادية ساعدت على نموها وامتدادها أكثر إلى الغرب.
          ففي حي الأعمال نجد شون القطن التي يرجع عمرها إلى عهد محمد علي باشا الذي جهَّز وأعدَّ الشون، ووزعها في أماكن مختلفة بمحافظات مصر بالقرب من مجرى النيل؛ لتكون بمثابة المستودع الخاص بالحبوب والمحاصيل يتم فيها تجميع المحاصيل؛ لتنقلها السفن النيلية عبر مجرى النيل والترع من محافظة لأخرى. وفي الإسكندرية كانت الشون تتركز في ميناء البصل؛ لقربها من ترعة المحمودية من ناحية ومن الميناء؛ حيث الاستيراد والتصدير من ناحية أخرى. وكان للشون نظام خاص لتنظيم العمل ومتابعته فبمجرد وصول الأقطان إلى الشون كان يتم معاينتها واستلامها وتقسيمها إلى أكوام يتم تنميرها وترتيبها بالأرقام؛ لتسهيل عملية أخذ العينات منها لمعرفة درجة جودة القطن، ثم يتم إخبار التجار بوجود القطن بغرض عرضه وبيعه من خلال المزاد لأعلى سعر. وكان ناظر الشونة هو أكبر مسئول إداري فيها، أما السمسار فهو المسئول عن فرز البضائع وختمها؛ لضمان جودتها أمام شيخ السماسرة الذي يثق فيه ويوليه عمليه الفرز والمعاينة. وداخل الشون نجد القباني وهو المسئول عن سجلات القيد التي يتم إرسالها مع الأقطان؛ لبيان عددها وحالتها. وفي حالة شون الغلال يستبدل القباني بالكيال الذي يشرف على عملية الوزن. وهناك أيضًا النشنجي الذي يعمل بترقيم البالات ووضع بيانات وزنها عليها. أما متعهد البيع فهو المسئول عن حفظ حجج وأوراق البيع والضمانات التي تؤخذ على موظفي الشون من قبانية وسماسرة.
          وفي حي الأعمال نجد أيضًا البورصة التي تحمل اسم الحي؛ "بورصة ميناء البصل" - تعد ثاني بورصة في مدينة الإسكندرية بعد بورصة العقود التي أُنشئت في عام 1861م لتكون واحدة من أقدم البورصات العالمية المختصة بالعقود والعمليات الآجلة، ثم جاءت بورصة ميناء البصل لتكون سوقًا للبضائع الحاضرة. تأسست عام 1872م؛ نتيجة لزيادة حركة استيراد القطن من مصر، وكانت ملكيتها تابعة للدائرة السنية. وتميزت البورصة باتساعها فضمت ما يقرب من 140 مكتبًا، كما تميزت بموقعها الإستراتيجي عند مصب ترعة المحمودية وبالقرب من سكة حديد القباري ووسط الشون والمخازن مما سهَّل مهامَّ عملها. ولم يقتصر دور بورصة ميناء البصل على بيع بالات القطن فقط بل اشتغلت أيضًا ببيع الغلال والمحاصيل المختلفة، وإن كانت تجارة القطن تحتل الصدارة بين البضائع المعروضة للبيع. ففي صباح كل يوم كان يتم تعليق لوحة يُكتب عليها البضائع التي تتداولها البورصة وحجمها وأسعارها وكافة البيانات التي يحتاجها المشتري، وتختلف من يوم لآخر باختلاف البضائع المعروضة وباختلاف سعر البضاعة الواحدة من يوم للثاني نتيجة لتغير سعر السوق. وكان يتم وقف التداول والبيع في تمام الساعة الواحدة ظهرًا ويأخذ آخر سعر تم البيع به ليكون سعر الإقفال ويعتمد على هذا السعر عند الفتح في اليوم التالي. كانت عملية البيع نفسها تتم في ساحة البورصة من الساعة الحادية عشر والنصف صباحًا حيت يتجمع التجار والسماسرة والباعة، ويصطف كل تاجر تحت ظلة يعرض عينات من القطن المتاح ويقوم المشترى بفحص البالات المعروضة سواء كلها أو عينة منها فإذا أعجب بها يحرر عقد البيع ويتسلم البضاعة في خلال اليوم.
          أما عدد أعضاء المشتغلين بالبورصة فقد بلغ 32 عضوًا هم: (13 تاجر قطن - 3 تجار بذرة - 4 أعضاء مصارف -  4 أعضاء تجار داخليين - 7 أعضاء منتخبين- 1 من بورصة العقود). وقد ارتبط ببورصة ميناء البصل اتحاد أقطان الإسكندرية؛ وهو عبارة عن اتحاد أسسه مجموعة من كبار التجار الأجانب عام 1883م، وكانت مهمته تنظيم التعامل في محصول القطن وبذرته، وتحول اسمه في عام 1885 إلى شركة المحاصيل العمومية ليكون أعم وأشمل، وهدفه توحيد الصادرات والواردات وتنظيم التعاملات الخاصة بالقطن سواء المبرمة بعقود من خلال بورصة العقود أو المباعة من خلال بورصة ميناء البصل. وقد استمر العمل ببورصة البضائع بميناء البصل حتى صدر القانون رقم 39 لسنة 1967م الخاص بتصفيتها ووقف العمل فيها.
بورصة ميناء البصل

    وعلى بعد كيلو مترات من حي الأعمال تقع الترسانة البحرية لتكتمل منظومة حي ميناء البصل كمنطقة صناعية كبرى ساهمت بجزء كبير في تاريخ الاقتصاد والتجارة المصرية، ومازالت تؤدي عملها إلى اليوم.

هناك تعليق واحد: