الاثنين، 8 أكتوبر، 2012

هليوبوليس


هليوبوليس
 مدينة الأحلام.. برعاية البارون إمبان
سوزان عابد

 
اليوم وأنت تستمتع بمتابعة شاشة التليفزيون وتتابع مسلسلك أو برنامجك المفضل، وتفاجَأ بفاصل طويل من الإعلانات لابد وأن تشاهد إعلانًا أو أكثر عن مدينة جديدة في أطراف القاهرة مدعومة بكافة وسائل الراحة والترفية والهدوء بعيدًا عن قلب العاصمة المكتظ بالسكان؛ حيث الحدائق الغناء المتدرجة، والطيور المغردة، والبحيرات العذبة التي سوف يطل عليها منزلك إذا قررت الانتقال إلى مدينتك الجديدة. ناهيك عن الأمان الذي سيحظى به أطفالك في ذهابهم وعودتهم من مدارسهم؛ فالمدرسة بجوار المنزل بعيدًا عن خطوط سير السيارات. ولن يدخر الإعلان وسعًا لإقناعك بالراحة النفسية التي سوف تستمتع بها في منزلك الجديد، ويطل عليك بطل الإعلان بوجهه البشوش وهو يلعب الجولف في المساحات الخضراء الشاسعة التي لن تراها أنت في قاهرتك.. من فضلك عند مشاهدة هذه النوعية من الإعلانات لا تتأفف كثيرًا خاصة لو كنت من سكان مصر الجديدة - هليوبوليس - فأنت نفسك بطل لإعلان قديم روج له راعي المدينة الرسمي؛ البارون إمبان عندما قرر الإعلان عن مدينته الجديدة التي انتقل إليها جدك الكبير إذا كنت من السكان القدامى لمصر الجديدة. أما إذا كنت من السكان الجدد فلا تتعجب إذا ترك أولادك أو أحفادك مصر الجديدة وانتقلوا في يوم من الأيام للسكن في المدينة التي تشاهد إعلانها اليوم على شاشات التليفزيون وفي صفحات الجرائد والمجلات واللافتات المضيئة في الشوارع. فتكون مثل أحد الزبائن الذي قرر فسخ عقد شراء فيلا في هليوبوليس معللاً السبب بـ: "لا أحب مطلقًا أن أقيم وحدي في الصحراء". أرجوك لا تكرر غلطته التي فعلها عام 1907م، وبالتأكيد ندم عليها كثيرًا فيما بعد.
نعم أنت أيها القارئ الهليوبوليسي (قاطن هليوبوليس) كنت جزءًا من سلسلة دعاية وإعلان روَّج لها البارون إمبان لحث الناس على الانتقال إلى واحة هليوبوليس في صحراء القاهرة.. بالطبع لم تكن دعاية مصورة ومذاعة على الشاشة الصغيرة مثل الآن؛ ولكنه لم يدخر وسعًا في استخدام كافة السبل المتاحة في الدعاية والإعلان بمفهوم العصر للترويج لواحة هليوبوليس (مصر الجديدة الآن). فقد سبق البارون إمبان كبار المستثمرين اليوم بفكره، فمنذ أكثر من مائة عام نفذ إمبان مدينة الأحلام - هليوبوليس - التي يتمنى أي فرد الحياة فيها في أي زمان؛ حيث وسائل المواصلات الحديثة السريعة والمتوفرة بكثرة والرفاهية والخدمات المتكاملة.
  تبدأ حكاية المدينة برجل بلجيكي ولد عام 1852م في مدينة بليى ببلجيكا لأسرة كبيرة ميسورة الحال، وتخرَّج في معهد علوم الفلزات في بروكسل وعمل مهندسًا مدنيًّا ورسامًّا هندسيًّا. وقد اتجه إلى التجارة والاستثمار الصناعي لاسيما في مجال النقل والمواصلات، فأقام أول خط حديدي حديث في بلجيكا، وبدأ ينمي بلده، وفي الوقت نفسه يستمثر أمواله؛ فأسس بنكًا يحمل اسمه "بنك إمبان" - تحول فيما بعد إلى البنك الصناعي البلجيكي - وأخذ إمبان يوسع نشاطه واستثماراته، فشارك في أعمال بناء السكك الحديدية الفرنسية ومترو باريس. كما ساهم في تشغيل نظم النقل والمواصلات الكهربائية في كلًّ من نابولي وتورينو ومدريد والصين وغيرها من البلاد.
في عام 1894م قرر إمبان تغيير وجهته والاستثمار في بلد جديد هي مصر؛ فقد توافرت الظروف لاجتذاب المستثمرين الأجانب آنذاك؛ حيث النهضة العمرانية والخدمات التي تعتزم الحكومة بدء العمل فيها من مد خطوط الترام، والإضاءة بالغاز، والمياه، والصرف الصحي وغيرها. وبالفعل أسس البارون "الشركة المساهمة للترام" في القاهرة؛ ليستثمر من خلالها أمواله، ويساهم في بناء مشروعات جديدة، وقام بمد أول خط من خطوط الترام في مصر.

  في القاهرة وجد البارون إمبان نفسه وسط ثورة عمرانية جديدة تعيشها العاصمة، فقد أدى ظهور الترام والإقبال على استخدامها إلى خروج الناس من حيز الحارة الضيقة والحي الواحد ووحدة الشارع ذي المهنة الواحدة، والانتقال لأماكن جديدة بعيدة نسبيًّا عن قلب العاصمة. لذا فكر إمبان في الاستثمار العقاري؛ ليواكب متطلبات العاصمة في ذلك الوقت. ولكن جاء تفكير إمبان مخالفًا لما هو متبع آنذاك، ففي الوقت الذي خُطَّطت فيه كثير من الأحياء الواقعة على ضفتي النيل، ومنها الزمالك وجاردن سيتي، اتجه إمبان بفكره إلى الصحراء على عكس كل التوقعات التي تؤكد نجاح الاستثمار على شاطئ النيل. فقد ساعد تشييد خزان أسوان عام 1902 على الحد من فيضان النيل وجفاف كثير من حوافه واستقرار الجزر التي كانت تعاني أيام الفيضان من غمر المياه المتكرر لها. فاتجهت الأنظار سريعًا إلى المناطق الجديدة التي خلفها طمي النهر بالإضافة إلى العشش والخرابات التي تم إزالتها وتطويرها من جديد. كما كان لتشيد بعض الكباري للربط بين ضفتي النيل (كوبري الملك الصالح - كوبري عباس - كوبري محمد علي) أثر كبير في التوسع جهة الغرب، بالإضافة إلى كوبري قصر النيل الذي شُيَّد في عهد الخديوي إسماعيل.
جاء تفكير إمبان ضاربًا عرض الحائط بأفكار وأعراف الاستثمار والمضاربات العقارية في مصر في ذلك الوقت، ففي حين كان المتر المربع من الأحياء الجديدة يصل إلى جنيه واحد، اشترى إمبان الفدان بجنيه واحد ولكن على بعد حوالي 15 كيلو متر شمال شرق القاهرة وهو ما كان يعرف بصحراء القاهرة.
من هنا بدأت المغامرة؛ في 23 مايو 1905 حصل إمبان على امتياز بتملك الأرض، وتم عمل عقد اتفاق مبدئي بين إمبان وبوغوص باشا نوبار نصه: "إن الطرفين اتفقا على إنشاء شركة القاهرة للسكك الكهربائية وشركة واحات هليوبوليس، ريثما يتم الحصول على موافقة الحكومة، وتخضع الشركة لمكانتها الخاصة، وهدفها الأساسي إقرار واستغلال الامتياز الذي منحته الحكومة المصرية في 23 مايو 1905 بإنشاء خط للسكة الحديدية وخطين للترامواي الكهربائي، ويكون للشركة أن تنتفع بالقوانين والفوائد والمزايا الواردة في العقد المؤرخ في 23 مايو 1905، والذي باعت الحكومة المصرية بمقتضاه وسلمت ونقلت الحقوق الخاصة بملكية مساحة 25 كيلو متر مربع أي ما يعادل 2500 هكتار أو 5652 فدان في صحراء العباسية إلى الجنوب الشرقي من الطريق القديم إلى السويس". وفي 23 يناير 1906 أُنشئت الشركة رسميًّا، وهي  "شركة واحات هليوبوليس" برأس مال قدره 15 مليون فرنك بلجيكي.
بالفعل وضع  إمبان التصور المبدئي للمدينة، وأخذ يبحث عن المهندس الذي ينفذ أفكاره على أرض الواقع، فوقع اختياره على إرنست جاسبر البلجيكي؛ وهو مهندس معماري شاب، شارك في وضع تصميم الجناح البلجيكي في المعرض الدولي بباريس عام 1900 وحقق شهرة واسعة في بلجيكا وفرنسا، وجاء جاسبر إلى مصر بنصيحة من مقاول بلجيكي يعمل في مصر هو ليون رولان. وبالقاهرة تقابل جاسبر بالبارون إمبان فأخذ الأخير يسرد له عن أحلامه بمدينة المستقبل ورغبته في أن تكون مدينة متكاملة تجذب كبار وصغار الملاك وتتوافق من حيث الشكل المعماري مع الروح الإسلامية والأعراف المصرية، والجمع بين الحدائق الشاسعة والشوارع الفسيحة والحداثة بكافة صورها. فما كان أمام جاسبر إلا الموافقة على العرض المغري المقدم من البارون، وبالفعل انتقل إلى القاهرة؛ ليبدأ كبرى تصميماته بها.

كما عاون أرنست جاسبر مهندس آخر تولى مهمة تنفيذ المباني الأصغر حجمًا والفيلات الصغيرة هو ألكسندر مارسيل؛ فرنسي الأصل شارك هو الآخر في بناء المعرض الدولي بباريس عام 1900، وحقق شهرة كبيرة لتصميمه بانوراما مجسمة للرحلة بين فرنسا والشرق عندما قام بتصميم بناء مزخرف بعناصر معمارية من شتى أنحاء العالم ياباني وهندي وصيني وفارسي وعربي.. وغيرها من روائع العمارة الشرقية ليصطحب الزائر في جولة رائعة حول بلاد الشرق المختلفة المباني والطرز. ومن هنا ذاع صيت مارسيل واستعان به البارون إمبان في وضع بعض التصميمات الهندسية لمباني هليوبوليس.
كان من المفترض أن تكون هليوبوليس واحتين - مدينتين - الأولى لقصور وفيلات كبار الملاك والأرستقراطيين، والشقق السكنية الحديثة للطبقة المتوسطة، بالإضافة إلى الفنادق والخدمات الترفيهية، والثانية للعمال والبنائين. ولكن جاءت الأزمة المالية في عام 1907 فتغيرت مجريات الأمور فما كان أمام البارون إلا أن يعمل على إيجاد توافق بين التصميم المقترح للمدينة وبين السيولة المالية المتوفرة معه، فجاء تصميم المدينة الجديد ليكون بمثابة مدينة واحدة أو واحة واحدة كما كان يطلق عليها إمبان تتوافر فيها كافة الخدمات.
في همة ونشاط بدأ العمل في مدينة هليوبوليس ووضع جاسبر تصميمات أولى المباني وأهمها وهو فندق هليوبوليس بالاس، وعاونه ألكسندر مارسيل بوضع تصميم الكنيسة البازيلكية والفيلات صغيرة المساحة. وبحلول عام 1908 بدأت اللبنات الأولى لأساسيات المدينة تظهر إلى النور وبدأت الشوارع الكبرى تتحدد ملامحها. وفي عام 1909 بدأ السكان الجدد في تسلم وحداتهم السكنية ولم يتجاوز عددهم في ذلك العام الألف ساكن. بالإضافة إلى أن البعض فضَّل أن يشتري أرض فضاء ليبني عليها ما يروق له وهو الأمر الذي يفسر لنا التنوع المبكر للطرز المعمارية للمدينة الوليدة، وعدم اقتصارها على تصميمات أرنست جاسبر وألكسندر مارسيل فقط.
تطورت المدينة سريعًا، وحققت معدلات نمو مرضية لاسيما بعد أن بدأت الخدمات جميعها تتكامل من مساجد وكنائس ومدارس وحدائق وحلبة لسباق الخيل ومطار ومركز ترفيهي وغيرها من الخدمات التي ساعدت على جذب السكان وتحفيزهم، فبادروا بحجز وحداتهم السكنية والإدارية.
حرص البارون إمبان على أن تضم هليوبوليس غرائب وطرائف الأشياء والتي تتميز بأنها أول أو أكبر شيء في القاهرة، فقد استطاع البارون إمبان بفكره النابغ أن يبدع في مدينته الجديدة؛ بإنشاء أول مدينة ترفيهية - ملاهي - في الشرق الأوسط وإفريقيا، وهي مدينة لونابارك التي بدأ في بنائها عام 1910، وافتُتحت للجمهور في 16 يونية 1911، وحققت معدلات زيارة مذهلة آنذاك، فلم يكن روادها من سكان هليوبوليس فقط بل استطاعت اللونابارك أن تجذب إليها سكان الزمالك الجدد وجاردن سيتي وكافة أفراد الطبقة البرجوازية باعتبارها أول مدينة ترفيهية في مصر، وتختلف كثيرًا عما اعتاده المصريون من ألعاب السيرك والمهرجين وغيرها من وسائل التسلية والترفية.
كما نجد بهليوبوليس أكبر فندق تم تصميمه آنذاك هو فندق هليوبوليس بالاس؛ صممه أرنست جاسبار في الفترة من 1908 - 1910م، وبلغت سعته أكثر من 400 غرفة، وتميز بتنوع الطرز المعمارية بين مملوكية وعثمانية وفارسية ومغربية وأوروبية حديثة، وتميز الفندق بقبته الضخمة والمدخل الفخيم وسجاده الشرقي وأعمدته الرخامية المجلوبة من إيطاليا وصالوناته ذات الطرز المتنوعة بين طراز لويس الرابع عشر ولويس الخامس عشر. وبذلك كان الفندق في حد ذاته مركز جذب للأجانب والمصريين، وقطنه كبار الشخصيات المصرية والدولية. ولكن عقب قيام الحرب العالمية الأولى تحول الفندق إلى مستشفى ومعسكر للضباط الإنجليز وكذلك أثناء الحرب العالمية الثانية مما أدى إلى تدهور حالته، وظل القصر مهجورًا لفترة طويلة إلى أن تم تأميمه عقب قيام ثورة 23 يوليو 1952 وتحول إلى أحد القصور الرئاسية. والطريف في الأمر أن هليوبوليس بالاس هو أحد أشهر القصور الرئاسية اليوم التي مازلت تؤدي عملها، وتبهر زائريها إلى اليوم، ويُعرف الآن بقصر العروبة أو باسم قصر الاتحادية عندما اتخذه الرئيس السادات عام 1972 مقرًّا لاتحاد الجمهوريات العربية (مصر - سوريا - ليبيا).
بهليوبوليس نجد أغرب تصميم لقصر في القاهرة، وهو قصر البارون إمبان نفسه الذي جاء مخالفًا لكل القواعد الصارمة التي حرص عليها البارون في مدينته، وأهمها النكهة الشرقية ولمسات العمارة الإسلامية التي تزخر بها شوراع مصر القديمة من مشربيات وعقود وأحجار ملونة وزخارف مملوكية وغيرها من اللمسات الفنية التي أكسبت العمارة الإسلامية خصائصها، وزودت هليوبوليس بشكلها المميز. إلا أن البارون إمبان اختار تصميمًا غريبًا على العمارة المصرية والإسلامية ليكون هو التصميم الخاص بقصره، فقد استوحى من معبد أنكور وات في كمبوديا ومن المعابد الهندية نموذجًا لقصره الذي وضع تصميمه ألكسندر مارسيل، وانتهى من تصميمه عام 1911م. وأثناء افتتاحه أُعجب به السلطان حسين كامل ورغب في شرائه من البارون، ولكنه رفض واقترح عليه إنشاء قصر بديل - أُتُّخِذَ من قصر السلطان حسين كامل حاليًّا مقرًّا لمدرسة مصر الجديدة الثانوية. أما عن غرابة التصميم فتعددت الروايات التي لم نجد لها مصدرًا يؤكدها ما بين عشق البارون لهذا الطراز المعماري أثناء إقامته بالهند، ورواية أخرى تقول إن البارون أصابه مرض عضال في الهند فنذر بناء قصر هندي إذا شفاه الله من مرضه. كلها روايات وأقاويل الثابت فيها أن قصر البارون كان محل إعجاب الزائرين؛ لما يضمه من تحف وزخارف وفسيفساء ونوادر فنية وتماثيل جلب بعضها من الهند وأعمدة كلها جديدة على الذوق المصري.
وبهليوبوليس نجد حلبة سباق الخيل الشهيرة التي نراها كثيرًا في أفلام الأبيض والأسود والتي كانت من أهم عوامل الجذب لزيارة هليوبوليس فقد عمد البارون إلى جعل هليوبوليس محل اهتمام سكان القاهرة كافة لا سكان هليوبوليس فقط.
كثير من هذه العلامات المميزة في المدينة مازالت باق إلى اليوم، فأثناء تجولك في شوراع مصر الجديدة تستنشق نسائم المدينة القديمة التي حافظت على رونقها وشبابها؛ فمقر شركة هليوبوليس مازال قائمًا في مكانه، والعمارات ذات البواكي مازالت تقي المارة من حرارة الشمس، والعقود والأحجار الملونة تذكرك بماضيك في مصر القديمة. حقًّا إنها تجربة تستحق منا التقدير والاقتداء.  

هناك 3 تعليقات: