الأحد، 5 مايو، 2013

الخليج المصري
المدينة العائمة في شوارع القاهرة

          شوارع القاهرة ودروبها وحواريها ما هي إلى صفحات سُطِّرَت من تاريخ مصر، فما من شارع تتنزه فيه أو بقعة أرض تطؤها قدمك إلا ولها باع طويل مع النوادر والحكايات، حكايات بعضها طريف والآخر مؤلم، فهذا شارع يحمل اسم رجل مهم؛ مصري أحيانًا وأجنبي أحيانًا أخرى. وآخر يحمل اسم مسجد أو سبيل قابع فيه، وهذه حارة وفية تحمل اسم  المهرة من حِرفيها وصُناعها، وأخرى تحمل اسم حرفة اندثرت مع تطور الزمن ولم يبقَ لنا منها سوى الاسم فقط للتذكرة، وغيره كثير. أما شارع اليوم فهو شاهد حي على تاريخ مصر من العصر الفرعوني إلى الآن. شاهد صامت لا يبوح بالكثير خاصة للغرباء وصغيري السن، فأثناء تجولك فيه قد لا يخطر ببالك أن تسأل عن مغزى اسمه أو ما يشير إليه، وربما صادفه البعض منا على أظرف المراسلات وقوائم العناوين الهامة (10 شارع الخليج المصري). إنه شارع بورسعيد الآن؛ الشارع الأشهر في القاهرة. شارع يقص لنا حكايات كثيرة عن أيام مضت بحلوها ومرها، عاصر أحداثًا جسام، واحتفالات رسمية وشعبية، وخروجات تنزه. ولكن عندما عاصر كل هذا لم يكن شارع تجوبه السيارات ويتجول فيه المارة سيرًا على الأقدام محدقين في واجهات المحلات كما نفعل نحن اليوم؛ بل كانت تشقه مراكب التنزه الصغيرة وتعبره المارة من خلال قناطر وجسور بُنيت فوقه على مسافات متقاربة إلى حدٍّ ما.
          إنه الخليج المصري أحد المجاري المائية الصناعية التي شقها المصري؛ لتساعده على ري الأراضي التي لم يصلها النيل بشكل كافٍ. ولم يكن له ضفاف وكورنيش للنزه فقد كانت البيوت تطل عليه مباشرة غاطسة في الماء كما نرى في فينسيا اليوم. ولكن بإطلالة مصرية عربية مفعمة بروح الأصالة؛ حيث طلت المنازل على الخليج من خلال مشربيات خشبية تبرز عن جدار المبنى بما يقرب من الربع متر، تسمح بمرور الهواء العليل ونسائمه المنعشة في حر الصيف القائظ، سانحة الفرصة لضوء الشمس أن يمر إلى الداخل متسللاً عبر المربعات والمستطيلات التي تنتج عن تعشيق خشب المشربية. ولحسن الحظ أن أحد الرحالة استطاع أن يصور لنا الحياة على الخليج المصري، كما وصفت لنا الأعمال الأدبية من شعر ونثر كيف كانت ليالي الخليج من سمر ومرح واحتفالات أغلب أيام السنة، ولحسن الحظ أيضًا أن المصورين التقطوا لنا بعض الصور الفوتغرافية لما كان عليه حال الخليج المصري في زمن مضى.
          أما الخليج نفسه فترجع بداياته إلى العصر الفرعوني وبالتحديد إلى الأسرة السادسة والعشرين عندما حاول نخاو بن بسماتيك أن يحفر مجرىً مائيًّا، ولكنه لم يتمم العمل فيه. وحاول بعض الحكام الذين أعقبوه أن ينجزوا العمل في الخليج إلا أنه لم يكتمل على أكمل وجه إلا في عهد بطليموس الثاني، ومن هنا سمي الخليج باسم "خليج بطليموس". تعاقب الحكام على مصر فكان لكل منهم بصمته على خليجها بين إعادة حفر أو نقل لفم الخليج - المكان والمصدر الذي يأخذ لخليج منه الماء من النيل - أشهرها إعادة حفره في عهد تراجان، حتى أنه أخذ اسمه منه "خليج تراجان". ثم دخل المسلمين مصر عام 21هـ/ 641م، وأعادوا حفر الخليج مرة أخرى، وعرف بعد ذلك باسم "خليج أمير المؤمنين". كما عرف أيضًا الخليج المصري باسم "الخليج الكبير"؛ تميزًا له عن خليج فرعي آخر أصغر هو "الخليج الناصري" الموازي له الذي أمر ببنائه الناصر محمد بن قلاوون في عام 725هـ/ 1325م. وكان الخليج الجديد الذي شق في عصر الناصر محمد يساهم مع الخليج المصري في تزويد البرك والحدائق المنتشرة في وسط القاهرة آنذاك بماء النيل لاسيما في أوقات الفيضان. ومن أشهر هذه البرك: بركة الأزبكية وبركة الفيل وبركة الرطلي وغيرها من البرك.
          أسماء كثيرة حملها الخليج وعُرِف بها وفاءً لكل يد ساهمت فيه وطورته إلا أنه يبقى في النهاية يحمل اسم "الخليج المصري". ويبلغ طول الخليج بحدود مدينة القاهرة الكبرى 46,20كم، ويبلغ عرضه من خمسة إلى خمسة عشر مترًا، وكان ارتفاع الماء به أيام الفيضان يصل إلى ما يقرب من ستة أمتار.
          كان الخليج المصري والبرك المحيطة به مركز جذب نموذجي للسكنى على ضفتيه، وتكالب الميسورين من أهل القاهرة على شراء الأراضي المطلة عليه، وتباروا في بناء البيوت وتزينها، وألزمتهم الحكومة بمسؤلية تنظيف الخليج وتنقيته من العوالق، كلُّ ينظف أمام منزله. أما العامة من الشعب وغير القادرين على السكن على ضفاف الخليج، فكان باستطاعتهم التمتع بمنظره والتنزه فيه وحضور الحفلات والمسامرات التي تقام أيام الأعياد والعطلات.

          أما عبور ضفتي الخليج فكان من خلال مجموعة من القناطر وصل عددها ما يقرب من 16 قنطرة أو أكثر هي: (قنطرة السد - قنطرة طقز دمر - قنطرة آق سنقر - قنطرة السباع - قنطرة عمر شاه - قنطرة باب الخرق- قنطرة باب القنطرة - قنطرة الخروبي - قنطرة الأميرية - قنطرة الموسكي - قنطرة بني وائل - قنطرة الأمير حسين - قنطرة الإوز - القنطرة الجديدة). أنشئت في فترات زمنية مختلفة، بعضها يرجع إلى العصر المملوكي والعثماني وبعضها أنشئ في عهد أسرة محمد علي، وغيرهم كثير مما شيده الأهالي أيضًا لتسهيل العبور. أما من حيث أسماء هذه القناطر فبعضها نسبة إلى مشيدها أو إلى المكان الواقعة فيه أو الشارع المطلة عليه من أحد الاتجاهين. ومنها على سبيل المثال:
          قنطرة فم الخليج وهي ترجع للعصر العثماني، وقنطرة السد التي أنشأها الملك الصالح نجم الدين أيوب، وقنطرة عبد العزيز بن مروان وهي من العصر الأموي، وقنطرة السباع التي أنشأها السلطان بيبرس البندقداري بالقرب من السيدة زينب. وكان على القنطرة رنك - شعار - الظاهر بيبرس على شكل سبع ومن هنا عرفت باسم قنطرة السباع.    
          قنطرة طقز دمر أو درب الجماميز الواقعة على الخليج المصري تجاه مدخل شارع قنطرة درب الجماميز الموصل إلى حارتي السلطان الحنفي والهياتم جنوب شارع مجلس الشعب بحوالي 20 مترًا. وقد أنشأها الأمير طقز دمر على الخليج حوالي عام 730هـ؛ ليعبر منها إلى حكره بالبر الغربي للخليج. وعرفت هذه القنطرة أيضًا باسم قنطرة درب الجماميز؛ نسبة لوجود أشجار عظيمة من الجميز معروفة بجماميز السعدية كانت موجودة منذ العصر المملوكي. وظلت هذه القنطرة موجودة على الخليج المصري حتى ردمت عام 1898.
          وقنطرة آق سنقر الواقعة على شارع الخليج تجاه مدخل شارع إسماعيل باشا أبو جبل "شارع درب الحجر سابقًا". وقد عمرها الأمير آق سنقر حوالي سنة 725هـ، عندما أنشأ جامعه على البركة الناصرية بسويق السباعين، وقد اختصر اسمها إلى قنطرة سنقر فقط.
          وقنطرة الأمير حسين تقع بباب الخلق تجاه مدخل حارة الأمير حسين التي تقع بالجانب الغربي لشارع الخليج في مواجهة شارع الاستئناف الذي يقع شمال محكمة جنوب القاهرة الابتدائية حاليًّا. وقد أنشأها الأمير حسين في أواخر عام 1319 ليتوصل منها إلى جامعه الذي كان قد أنشأه قبلها بشهور بحكر جوهر النوبي غربي الخليج، ثم عقب بناء الجامع  والقنطرة فتح الأمير حسين خوخة - باب صغير - في سور القاهرة الغربي على رأس حارة الوزيرية ليسهل له المرور من بيته بحارة الوزيرية فيعبر على قنطرته ليصل إلى جامعه، وقد ردمت هذه عام 1897.
          أما قنطرة الموسكي فهي تلي قنطرة الأمير حسين، وكانت تقع عند نقطة التقاء شارع الخليج بشارع الموسكي، وأنشأها الأمير عز الدين موسك قريب السلطان صلاح الدين الأيوبي، والمتوفىَّ عام 584هـ.
          أما أغربهم على الإطلاق؛ من حيث الاسم فهي قنطرة الذي كفر، وتعد هذه القنطرة من القناطر التي استجدت في العصر العثماني، وكانت تقع بين قنطرة سنقر وقنطرة باب الخرق، وموضعها كان أمام شارع رحبة عابدبن "شارع مصطفى عبد الرازق حاليًّا" غربي شارع الخليج. وقد أنشأها الأمير "عبد الرحمن كتخدا" عام 1762م، وهي السنة التي بني فيها مسجد الشيخ رمضان بشارع رحبة عابدين، كما أنه قد أنشأ أيضًا قصرًا ورباطًا بحارة عابدين لذلك بنى تلك القنطرة لتوصله إلى هناك. ومن القناطر التي أنشأها عبد الرحمن كتخدا أيضًا؛ قنطرة الحفني وهي تقع على الخليج بين قنطرة الأمير حسين وقنطرة الموسكي على بُعد أمتار قليلة إلى الجنوب من تقاطع شارع الأزهر بشارع الخليج "بورسعيد". أنشأها كتخدا للشيخ الحفني بجانب الجامع الذي أنشأه له، وكذلك الدار المجاورة له.
          كما استمر بناء القناطر على الخليج المصري في عصر أسرة محمد علي، ومنها قنطرة شاهين باشا الواقعة بين قنطرة عمر شاه، وقنطرة طقز دمر "درب الجماميز"، وردمت عام 1898م. وكذلك قنطرة ثابت باشا الواقعة بين قنطرة باب الخرق وقنطرة الأمير حسين. وقنطرة بين السورين الواقعة بين قنطرة الموسكي وقنطرة الشعراني. وقنطرة سكة حديد السويس الواقعة بين قناطر الإوز وقناطر بني وائل.
          الخليج المصري.. صفحة حية شاهدة على تجربة مميزة عاشتها مصر المحروسة، ولكنها لم تستمر إلى اليوم؛ نتيجة لإهمال الحكومة لهذا المرفق الهام، ونتيجة لسلبيات سلوك الأهالي تجاه الخليج من إلقاء القاذورات والمهملات وعدم تنظيفه أولاً بأول مما أدى إلى ركود بقايا المياه فيه وتعفنها، فانبعثت الروائح الكريهة منه، وأصبح من أكثر الأماكن التي تنتشر فيها الأوبئة. كما ساعد على ذلك أيضًا تغير مجرى نهر النيل، وقلة منسوب المياه في فترات طويلة، ولذلك لم تتردد الحكومة في ردمه واستغلال مساحته في تسيير خطوط الترام الجديدة؛ لتخدم أهالي المحروسة في الفترة بين عامي 1896- 1898، وردمت معه القناطر التي شُيِّدت فوقه، لتنطوي بذلك صفحة الخليج المصري ولم يبقَ منه سوى اسم يحمله الشارع فقط.
سوزان عابد

هناك تعليقان (2):