الأربعاء، 24 يوليو، 2013

معبد دابود في مدريد
سفير مصر في الخارج
سوزان عابد

          إسبانيا مدينة الجمال والفن والرياضة، يعرفها الجميع بأشكال مختلفة فالبعض تمثل إسبانيا له الليجا -الدوري الإسباني - وفريقي برشلونة وريال مدريد والمنافسة بين عشاق ليونيل ميسي وكريستيانو رونالدو. والبعض الآخر يعرفها بالموسيقى والرقص الإسباني بالتنورة ذات الكرانيش متعددة الأدوار الشهيرة. والبعض عندما يسمع اسم "إسبانيا" يترجمها في ذهنه إلى الأندلس مجد المسلمين القديم هناك، سارحًا بين شواهده الحية التي مازالت تزين شوارع إسبانيا ودروبها وأرباضها ما بين قصور الحمراء بغرناطة ومسجد قرطبة وجامع أشبيلية وغيرها كثير. والبعض يعرف إسبانيا بمصارعة الثيران، وغيرها من الأمور التي تشتهر بها المدن الإسبانية. ولكن دعني أوجه إليك دعوة خاصة إذا كنت تخطط لزيارة مدينة الجمال إسبانيا وتجولت في عاصمتها فرجاءً لا تنسَ أن تتجول بالقرب من القصر الملكي بالعاصمة الإسبانية مدريد، وبالتحديد في حديقة باركي دل أويستي وتلقي السلام والتحية على المعبد المصري القائم هناك؛ إنه معبد دابود. جاء من أعالي مصر من أرض النوبة الحبيبية ليستقر بمدريد ويصبح السفير الدائم لمصر هناك، يجذب الزوار بشكله الفريد والغريب على العمارة الإسبانية بمختلف عصورها. يقف شامخًا في مناخ لم يألفه ولم يعتَد عليه في موطنه الأصلي. فهو لم ير الثلج ولم يشعر بالبرودة الشديدة إلا في مدريد. فذكرياته عن مصر ما بين شمس مشرقة صيف شتاء، وحرارة مرتفعة تشعره بالدفء الدائم؛ تختلف كثيرًا عما يعيشه الآن. فإذا أتتك الفرصة لزيارة مدريد فلا تبخل بإلقاء التحية والسلام على هذا المعبد؛ لتشعره بحب أهل مصر له رغم ما بيننا من مسافات.
          ترجع قصة معبد دابود إلى أوائل العصر البطلمي عندما قرر الملك إجغر آمون أن يبني معبدًا لعبادة الإله أمون، ووقع اختياره على منطقة "دابود" الواقعة جنوب أسوان بحوالي 15- 20كم، وبالتحديد على الضفة الغربية من نهر النيل وبالقرب من الشلال الأول. وفي العصور التالية تم إضافة بعد الأجزاء للمعبد والتعديل في شكله الأساسي.
          يسجل لنا مبعد دابود قصة تضحية قدمها أهالي النوبة من أجل مصر؛ ففي عام 1960 وأثناء البدء في بناء السد العالي كانت منطقة كبيرة من أسوان والنوبة قد تعرضت للغرق نتيجة لفيضان النيل المتكرر مما استوجب معه بناء سد يحمي مصر من خطر الفيضان، ومن هنا كانت فكرة بناء السد العالي. كما أن بحيرة ناصر الواقعة خلف السد أدت إلى غمر جنوب السد - منطقة النوبة - بالمياه والطمي مما استلزم نقل وتهجير القرى النوبية وأهالي النوبة إلى منطقة أخرى - النوبة الجديدة - ولكن كانت العقبة أمام الإدارة المصرية متمثلة في كنور مصر الأثرية التي غمرتها المياه أكثر من مرة وكادت أن تتعرض للغرق مرة أخرى أثناء بناء السد. ومن هنا وجهت مصر دعوة لكافة المنظمات الدولية المهتمة بالتراث للمساهمة في إنقاذ آثار مصر من الغرق. وبالفعل لبّت منظمة اليونسكو النداء، وكذلك العديد من الدول المعنية بالتراث والحضارة الإنسانية بصفة عامة والعاشقة للحضارة المصرية بصفة خاصة. وفي مارس 1960 دشنت منظمة اليونسكو في احتفال كبير؛ حملة إنقاذ آثار مصر، وبالفعل بدأ العمل وبدأ الخبراء والفنيون في التوافد على مصر، وكذلك المساهمات المادية والعلمية والأجهزة الحديثة المتطورة لنقل آثار مصر الواقعة بالقرب من السد العالي لأماكن أخرى أكثر أمنًا. وساهم الإعلام المصري والدولي في هذه الحملة بدور فعال فانتشرت صور آثار مصر في الصحف والمجلات والنشرات الصحفية، وأصبح معبدا أبي سمبل وفيلة يتصدران الصحف العالمية. ومن هنا بدأت الأفراد هي الأخرى في التبرع لإنقاذ آثار مصر، وكانت هذه الحملة من أكبر حملات الدعاية للسياحة في مصر والتمتع بزيارتها؛ نتيجة للمحاضرات العديدة التي أعدتها المنظمات المعنية بالأمر للتعريف بمصر وآثارها. وقد استمرت الحملة أكثر من عشرين عامًا تم خلالها نقل العديد من المواقع الأثرية إلى مواقعها الجديدة.

          ونتيجة للجهود المضنية التي بذلتها الحكومة الإسبانية في حملة إنقاذ آثار النوبة، قامت مصر في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر بإهدائها معبد دابود تكريمًا لأياديها البيضاء في الحفاظ على آثار مصر وعرفانًا لها بالجميل. وبالفعل بدأت الحكومة الإسبانية في إجراءات نقل المعبد، والتي تمثلت في تفكيك أحجاره ووضعها في صناديق وترقيمها ونقلها بالمراكب النيلية إلى أن وصلت الإسكندرية ومنها نقلت بالبواخر إلى ميناء فالنسيا ومنه إلى مدريد. وتم إعادة بناء المعبد في موقعه الحالي بالقرب من القصر الملكي ولكن حدث خطأ في ترتيب بواباته، فجاءت البوابة التي تحمل نقش الثعبان المجنح بدلاً من البوابة الأخرى في الترتيب. وتم افتتاح المعبد في أغسطس من عام 1972 أمام الزائرين. فأتاح الفرصة أمام الإسبان الذين لم يسعدهم الحظ بزيارة مصر؛ أن يشاهدوا جزءًا منها على أرضهم. وإن كان بذلك قد استئصل جزء مهم من أرض مصر ونفي إلى خارج البلاد بين غربة الزمان والمكان.
          ولم يكن معبد دابود هو المعبد الوحيد الذي أهدته مصر للدول المشاركة في حملة اليونسكو، فقد أهدت مصر ما يقرب من 5 معابد أخرى؛ هي: معبد طافا القائم في ليدن في هولندا، ومعبد دندور في متحف المتروبوليتان بالولايات المتحدة الأمريكية، ومعبد الليسية في تورينو بإيطاليا، والبوابة البطلمية من معبد كلابشة في الجزء المصري في متحف برلين بألمانيا.





هناك تعليق واحد: