الخميس، 1 يناير، 2015

مغامرة جوية في سماء مصر

مغامرة جوية في سماء مصر

سباق فرنسي إنجليزي
بقلم سوزان عابد 
          في السابع عشر من ديسمبر عام 1903م، نجح الإنسان في أن يحقق حلمًا سعى وراءه كثيرًا، وبذل من أجله الغالي والنفيس، فالبعض فقد حياته في سبيل تحقيقه؛ إنه اليوم الذي حلق فيه في السماء بطائرة أثقل وزنًا من الهواء، وتحقق هذا النجاح على يد كل من أورفيل رايت وأخيه وويلبر رايت المعروفين بـ "الأخوين رايت". فقد استطاعا هذه المرة أن يطيرا طائرة لمدة دقيقة واحدة - وجاءت هذه المحاولة الناجحة تكليلاً لعديد من المحاولات غير الموفقة - وما زالت طائرتهما محفوظة في متحف العلوم بلندن شاهدة على بداية المشوار الناجح، مذكرة إيانا بالفضل المدينين به لهذين الأخوين. وإنصافًا لكثيرين لم يكن الأخوان رايت هما أول من فكر في فكرة تحليق الإنسان في الهواء؛ فقد سبقهم كثيرون من الشرق والغرب (محاولات الطيران القديمة).
وبعد النجاح الذي حققه الأخوان رايت، توالت المحاولات المختلفة من قبل المهتمين بصناعة الطائرات، وأخذت عجلة التطور تدور بسرعتها؛ بداية من الطائرة البسيطة بدون كرسي للطيار إلى طائرات الركاب العملاقة التي تنقل المسافرين من بلد إلى بلد.
وفي الوقت الذي تبارى فيه الغرب في هذا المضمار، لم تكن مصر بمعزل عنه؛ فقد شهدت سماء مصر  الطائرات تحلق في سمائها، خاصة بعد أن أصبحت الطائرات أكثر شهرة وحظيت بدعاية لا بأس بها ورحب بها كثيرون وخرجوا من منازلهم لمشاهداتها وهي تحلق فوق رءوسهم. وذلك عندما استضافت مصر المهرجان الدولي الثاني للطيران، وهو يعد أول سباق طيران في مصر، شارك فيه اثنا عشر طيارًا من بلدان مختلفة ومعهم ثماني عشرة طائرة، في الفترة من 6 إلى 13 فبراير عام 1910م، في هليوبوليس- مصر الجديدة -. واحتفاءً بهذه المناسبة نظم أمير الشعراء أحمد شوقي قصيدة بعنوان "العصر والعصفور" مادحًا فيها الطائر الحديث. ثم انضمت مصر إلى الاتحاد الدولي للطيران في عام 1911م، ثم نشبت الحرب العالمية الأولى (1914-1918م)، والتي كان لها فضل كبير في انتشار الطائرات واستخدامها؛ حيث كانت الطائرة من الأسلحة الجديدة التي استخدمت في الاستطلاع والمراقبة. وفي الوقت نفسه كان للحرب أثر سيئ في توقف حركة الطيران الشخصي، التي كان يقوم بها البعض بصورة فردية. فقد انتشر هوس الطيران بين الأوروبيين، ولاسيما الفرنسيين والإنجليز والألمان، الذين أخذوا يحلقون فوق العواصم الأوروبية والمدن الكبرى وقطعوا آلاف الأميال؛ الأمر الذي جعلهم يتنافسون في تحطيم الأرقام القياسية التي يصل إليها أي منهم.
إلى هنا يبدو الأمر طبيعيًّا ومنطقيًّا، ولكن الطريف أن غالبية الكتابات التي تناولت هذه النقطة كانت تركز بشكل أكبر على فترة ما بعد الحرب العالمية الأولى، والقرارات التي اتخذتها مصر في سبيل تفعيل خدمة النقل الجوي وعمل شبكة جوية تنقل المسافرين والبضائع من بلد إلى بلد. إلا أننا في حكاية اليوم سوف نتطرق لفصل آخر من الحكاية، وهو فترة ما قبل نشوب الحرب العالمية الأولى، ومحاولات بعض الطيارين من الغرب في الوصول إلى مصر والتحليق في سمائها، لعلنا بذلك نشير إلى جزء غامض من تاريخ الطيران في مصر.
تبدأ حكايتنا اليوم عندما قرر بعض المغامرين الفرنسيين الطيران إلى الشرق الأوسط وبالتحديد إلى القاهرة، ومن هنا بدأ السباق التنافسي بينهم. أول هؤلاء المغامرين الذين فكروا في الطيران إلى الشرق وحدد وجهته إلى القاهرة- هو الطيار الفرنسي بيير دوكور Pierre Daucourt، بصحبة المهندس الميكانيكي ج. رو J. Roux، فقد خطط دوكور أن يكون أول من يسافر إلى الشرق؛ ليحقق رقمًا قياسيًّا جديدًا هو التحليق لمسافة 3500 ميل/ 5600كم.
بدأ دوكور رحلته في 20 أكتوبر 1913م، منطلقًا من باريس إلى سينس ومنها إلى بلفورت بالقرب من الحدود الألمانية، وأخذ إذنًا بالسماح له بالطيران فوق الأراضي الألمانية، خاصة أن التوتر السياسي قد اشتد بين البلاد وبعضها، وانعكس ذلك على حركة الطيران. هبط دوكور ورو في ميونخ ومنها إلى صربيا ثم وصلا إلى النمسا في 31 أكتوبر 1913م. ثم غادرا إلى بودابست التي وصلا إليها في 2 نوفمبر 1913م، وهناك رحب بهما الملك كثيرًا ودعاهما إلى مأدبة طعام فاخرة تقديرًا لهما. وفي أثناء ذلك واجه دوكور ورو مشكلتان؛ الأولى تمثلت في ضرورة عبور جبال الألب في ترانسيلفانيا؛ وهو ما يتطلب تخفيف حمولة الطائرة، وتغلب دوكور على هذه المشكلة بأن أرسل رو بالقطار وطار هو بمفرده محلقًا فوق جبال الألب. أما المشكلة الثانية فكانت الوصول إلى البلقان التي ما لبث أن انتهت فيها الحرب - حرب البلقان الثانية - وما زالت البلاد تعاني من آثارها، ولكنه استطاع التغلب على ذلك. ثم تقابل دوكور مع زميله رو وطار الاثنان إلى بوخارست ومنها إلى فارنا وبراغ. وفي براغ اضطرا أن يمكثا هناك وقتًا أطول؛ نظرًا لسوء الحالة الجوية وتقلبات الطقس. 

وصل دوكور ورو إلى إسطنبول في 9 نوفمبر 1913م، وكان من المخطط أن يمضيا هناك أسبوعًا للراحة وتجهيز الطائرة وإصلاح أية تلفيات حدثت لها أثناء الرحلة من باريس إلى إسطنبول، بعد أن قطعا مسافة 1500 ميل/ 2400كم. وعقب هذه الاستراحة أكمل دوكور في اتجاه جبال طوروس، إلا أنه تعرض لحادث كبير أدى لتحطم جزء كبير من الطائرة واحتراقها وهو ما أوقف الرحلة لفترة طويلة، وإن كان من حسن حظه أنه لم يُصَبْ بأذى كبير جراء الحادث.
في الوقت الذي بدأ دوكور يستعد لإصلاح طيارته ليستكمل رحلته، كان هناك منافسان آخران قد بدءا في رحلتهما آملين أيضًا الوصول إلى القاهرة وعمل رقم قياسي جديد؛ إنهما مارك بونييه Marc Bonnier  وجوزيف بارنييه Joseph Barnier، اللذان أقلعت طائرتهما في 10 نوفمبر 1913م - أي اليوم التالي لحادث دوكور-. وكان من المقرر أن يطوفا حول العالم غير محددين وجهتما، ولكن عندما نما إلى علمهما حادث دوكور، قررا الاتجاه إلى القاهرة ليحققا هذا المكسب المعنوي الهام. واتخذا طريقًا قريب الشبه من الطريق الذي سلكه دوكور ورو، ووصل بونييه وبارنييه إلى إسطنبول في 5 ديسمبر 1913م، ثم غادر بونييه وبارنييه متجهين إلى جبال طوروس ومنها إلى فلسطين ليصبح بونييه وبارنييه هما أول من حلق في سماء فلسطين، ومنها إلى القاهرة التي وصلا إليها في ليلة رأس السنة 31 ديسمبر 1913م، متحمسين لكونهما وصلا إلى القاهرة قبل دوكور ورو، إلا أن مفاجأة غير سارة كانت في انتظارهما في القاهرة؛ وهي أنهما لم يحققا الرقم القياسي، وأن طيارًا فرنسيًّا آخر سبقهما في الوصول إلى القاهرة؛ إنه جول فيدرين Jules Védrines، الذي سبقهما بثلاثة أيام ووصل إلى القاهرة في 29 ديسمبر 1913م.
كان جول فيدرين قد بدأ رحلته في ظروف غامضة وغريبة، ففي منتصف نوفمبر 1913م كان فيدرين تحت الإقامة الجبرية في ألمانيا لاختراقه منطقة عسكرية ممنوعًا فيها الطيران، إلا أنه نجح في التفاوض حول إطلاق سراحه شرط عودته إلى باريس وعدم العودة إلى ألمانيا مرة أخرى. وبعد هذا الاتفاق قرر فيدرين أن يغير وجهته إلى الشرق بدلاً من باريس. ونظرًا لهذا الوضع المتشابك المحيط بفيدرين كان من الصعب عليه الهبوط في ألمانيا؛ لأنها مخاطرة كبرى ربما تعرضه للاعتقال، لذلك هبط فيها سريعًا وتركها فيما يقل عن سبع ساعات متجهًا منها إلى براغ ومنها إلى بلجراد التي وصل إليها في 2 ديسمبر 1913م. ثم وصل إلى صوفيا عاصمة بلغاريا في 4 ديسمبر، وهناك وصلته أنباء الحادث الذي تعرض له دوكور وزميله رو، وهنا أدرك فيدرين أن الفرصة أمامه سانحة للحاق بكل من بارنييه وبونييه في إسطنبول. وبالفعل اتجه فيدرين إلى إسطنبول، وهناك أرسل برقية إلى الحكومة الفرنسية اعتذر فيها عن أفعاله الطائشة، وطلب أن يقوم برحلة مشتركة مع بارنييه وبونييه. فنجح بالفعل في الحصول على الدعم الفرنسي الذي ساعده على عبور الأراضي العثمانية، لكنه لم يتلقَّ أي رد بخصوص الرحلة المشتركة؛ لذلك استكمل طريقه بمفرده، وحلق فوق قصر السلطان العثماني، وألقى بعض الأعلام العثمانية وخطابًا إلى السلطان؛ ترحيبًا بتحليقه في سماء عاصمته.

حلق فيدرين فوق قونيه ثم سوريا وبيروت ويافا وأسرع في سيره حتى وصل إلى القاهرة في تمام الساعة الواحدة ظهر يوم 29 ديسمبر 1913م، ليكون بذلك أول طيار يصل إلى مصر طائرًا من أوروبا وقاطعًا مسافة تقرب من 3500 ميل، ليجد القنصل الفرنسي في استقباله في هليوبوليس، وقد تجمع حوله مئات المصريين الذين جاءوا ترحيبًا به واحتفاءً بسلامة الوصول.
عقب ذلك بثلاثة أيام وصل الفرنسيان بارنييه وبونييه، في حين استكمل دوكور ورو رحلتهما ليصلا إلى القاهرة في 7 يناير 1914م، بعد أن كان دوكور أول من فكر في الطيران إلى القاهرة، ولكن سوء الحظ لاحقه في هذه الرحلة.
إذًا شهد المصريون على مدار أسبوعين وصول ثلاث طائرات فرنسية قادمة من أوروبا، وخرجوا لاستقبالهم والإشادة بهم. وفي هذه المناسبة نظم أمير الشعراء أحمد شوقي قصيدة باسم "الطيارون الفرنسيون".
وفي الوقت الذي كان الفرنسيون يفكرون في الوصول إلى القاهرة، كان فريق إنجليزي قد وصل بالفعل إلى القاهرة، وقرر عمل مغامرة جوية مختلفة، وهي البدء من القاهرة والوصول إلى أعالي النيل في السودان وتحديدًا الخرطوم؛ ليكونوا بذلك أول من حلقوا في وسط إفريقيا؛ إنهم: الطيار فرانك ماكلين Frank K. McClean، والطيار الاحتياطي أليك أوجيلفي Alec Ogilvie، والمهندس الميكانيكي غوس سميث Gus Smith.
جاء الفريق الإنجليزي بطائرته عبر البحر وليس جوًّا؛ حيث استقلوا سفينة رست في الإسكندرية، ثم جمعوا أجزاء الطائرة وركَّبوها ليستعدوا لرحلتهم المميزة من سماء القاهرة إلى الخرطوم ليقطعوا بذلك مسافة تزيد عن 1500 ميل/ 3000 كم. وقد كانت طائرة كبيرة الحجم جيدة الصنع، لها جناحان طولهما 21.5متر.
في تمام التاسعة وخمس عشرة دقيقة، صباح 3 يناير 1914م، كان ماكلين وفريقه قد انطلقوا من الإسكندرية إلى رشيد ومنها إلى الدلتا ثم القاهرة، ليتخذوا من نهر النيل دليلاً لهم في سيرهم إلى الجنوب. وعندما وصل ماكلين إلى القاهرة في عصر يوم 3 يناير، كان منافس فرنسي قد ظهر على الساحة ليعصف بأحلام ماكلين وفريقه؛ إنه الطيار الفرنسي مارك بورب Marc Pourpe؛ طيار بالجيش الفرنسي محترف ذو خبرة طويلة في الطيران في المناطق الآسيوية والمناخ الآسيوي، بالإضافة إلى طائرته التي هي أحدث وأسرع من طائرة ماكلين، وهذا ما صعب الأمر على الفريق الإنجليزي الذي أدرك عدم تكافؤ الفرص منذ الوهلة الأولى لسماعهم بخبر طيران مارك إلى الخرطوم، ولكنهم أصروا على استكمال هدفهم مهما كلفهم الأمر.
في الوقت الذي كان ماكلين وفريقه يستعدان لمغادرة القاهرة، كان مارك قد غادرها بالفعل ووصل إلى قرية بالقرب من الأقصر، تبعد عنها بحوالي 100 ميل. وقد توقف هناك لإصلاح عطل مفاجئ في طائرته، وعندما أتم ذلك حلّق سريعًا نحو الأقصر ووصلها في 6 يناير 1914م، وهو نفس اليوم الذي اتجه فيه الفريق الإنجليزي من القاهرة إلى الخرطوم؛ الأمر الذي يبين لنا مدى التفاوت في قدرات ماكلين ومارك بخبرته الفنية، وطائرته الأحدث.
وصل مارك بورب مدينة الخرطوم في الثانية من ظهر يوم 12 يناير 1914م، قاطعًا بذلك مسافة 1350ميل/ 2150 كم في تسعة أيام فقط. ومكث مارك في الخرطوم ما يقرب من أسبوع. وفي 19 يناير قرر العودة طائرًا إلى القاهرة مرة أخرى. وهنا حقق مارك نجاحًا آخر؛ وهو أنه استطاع أن ينقل حقيبة بريدية  بها 40 خطابًا معه من القاهرة إلى الخرطوم، كانت مصلحة البريد المصرية قد سلمتها له مع خاتم يدوي لاستعماله. وفي عودته أخذ الخطابات من الخرطوم وسلمها إلى القاهرة، ليكون بذلك أول من قدم خدمة البريد الجوي في مصر.
وفي الوقت الذي حقق فيه مارك هذا النجاح الساحق، كان الفريق الإنجليزي في الأقصر يعاني من أعطال جمة في طائرته ويحاول إصلاحها. وهناك علموا بخبر فوز مارك بهذا السباق، فقرروا تمضية الوقت والاستمتاع برحلتهم وتفقد معالم المدن التي يهبطون فيها، حتى وصلوا الخرطوم في 22 مارس 1914م، في رحلة استغرقت حوالي 85 يومًا منذ إقلاعهم من الإسكندرية حتى وصولهم إلى الخرطوم، ولذلك في عودتهم لم تكن فكرة الطيران مرة أخرى مطروحة وكان القطار هو الحل الأمثل لذلك.


تلك كانت محاولات بعض الطيارين الفرنسيين والإنجليز الذين حلقوا في سماء مصر في فترة ما قبل الحرب العالمية الأولى. لنبدأ بعد ذلك في فصل آخر من تاريخ الطيران في مصر نستعرضه المرة القادمة، لنروي بطولات رجال من مصر حلقوا أيضًا في سمائها، ورفعوا علم مصر عاليًا في البلاد الأوروبية.





ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق